الصفحة 139 من 204

* فصلٌ في الرؤيةِ *

وَقَدْ دَخَلَ أَيضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِن الإِيمَانِ بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَبِمَلائِكَتِهِ وَبِرُسُلهِ: الإِيمَانُ بِأَنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عِيانًا بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ صَحْوًا ليْسَ دونها سَحَابٌ، وَكَمَا يَرَوْنَ القَمَرَ ليْلَةَ البَدْرِ لا يُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ كَمَا يَشَاءُ اللَّهُ تَعَالَى.

رُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ اللَّهَ فِي الآخِرَةِ أَفْضَلُ نَعِيمِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهَا الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ.

وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ. وَأَخْبَرَتْ بِهَا الرُّسُلُ وَذَلكَ لِمَا تَلَقّوهُ مِن الوحْيِ، الذي يَنْزِلُ بِهِ الرَّسُولُ مِن المَلائِكَةِ عَلَى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ. وَمِن ثَمَّ كَانَ الإِيمَانُ بِهَا مِن جُمْلَةِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. وَالمُنْكِرُ للرُّؤْيَةِ مُكَذِّبٌ بِهَذَا كُلِّهِ.

وَالإِيمَانُ بِالرُّسُلِ يَلْزَمُ مِنْهُ الإِيمَانُ بِجَمِيعِ مَاٍ أَخْبَرُوا بِهِ مِن المَلائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالكِتَابِ وَالبَعْثِ وَالقَدَرِ وَغَيْرِ ذَلكَ مِن تَفَاصِيلِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ وَغَيْرِ ذَلكَ مِن صِفَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِ اليَوْمِ الآخِرِ كَالصِّرَاطِ وَالمِيزَانِ وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالرُّؤْيَةِ وَغَيْرِهَا.

قَوْلُهُ:"عيانًا بِأَبْصَارِهِمْ"أَي: رُؤْيَةً بِالعَيْنِ حَقِيقَةً، رُؤْيَةٌ لا شَكَّ فِيهَا وَلا امْتِرَاءَ وَلا يَحْصُلُ فِيهَا مَشَقَّةٌ وَلا نَصَبٌ.

قَوْلُهُ:"وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ القِيَامَةِ"وَهِيَ كُلُّ مَوْضِعٍ وَاسِعٍ لا بِنَاءَ فِيهِ قَالَهُ ابْنُ الأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ. وَعَرْصَةُ الدَّارِ وَسَطُهَا وَقِيلَ مَا لا بِنَاءَ فِيهِ. سُمِّيَتْ بِذَلكَ لاعْتِرَاصِ الصِّبْيَانِ فِيهَا (لِعْبُهُمْ) وَالعَرْصَةُ: كُلُّ بُقْعَةٍ بَيْنَ الدُّورِ وَاسِعَةٍ ليْسَ فِيهَا بِنَاءٌ قَالَ مَالك بْن الرَّيْبِ:

تَحَمَّلَ أَصْحَابِي عِشَاءً وَغَادَرُوا ... أَخَا ثِقَةٍ فِي عَرْصَةِ الدَّارِ ثَاوِيًا

وَعَرَصَاتُ القِيَامَةِ مَوَاقِفُ الحِسَابِ وَالعَرْضِ.

فَيَرَى المُؤْمِنُونَ اللَّهَ فِي المَوْقِفِ وَبَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ وَمَا شَاءَ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ"وَهَذَا الحَدِيثُ مَنْقُولٌ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَهُوَ مُسْتَفِيضٌ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ وَالحَدِيثِ اتَّفَقُوا عَلَى صِحَّتِهِ.

مَعَ أَنَّهُ جَاءَ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ قَدْ جَمَعَ طُرُقَهَا أَهْلُ العِلْمِ بِالحَدِيثِ كَأَبِي الحَسَنِ الدَّارَ قُطْنِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الآجُرِّيِّ وَغَيْرِهِمْ.

وَالجَنَّةُ فِي اللُّغَةِ البُسْتَانُ، وَالمُرَادُ بِالجَنَّةِ هُنَا: الدَّارُ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لأَوْليَائِهِ وَفِيهَا مَا لا يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ مِن أَصْنَافِ النَّعِيمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت