الصفحة 140 من 204

وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ الجَنَّةُ ليْسَتْ اسمًا لمُجَرَّدِ الأَشْجَارِ وَالفَوَاكِهِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالحُورِ العِينِ وَالأَنْهَارِ وَالقُصُورِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَغْلَطُونَ فِي (مُسَمَّى) (الجَنَّةِ) فَإِنَّ الجَنَّةَ اسْمٌ لدَارِ النَّعِيمِ المُطْلَقِ الكَامِلِ.

ومِنْ أَعْظَمِ نَعِيمِ الجَنَّةِ التَّمَتُّعُ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ وَسَمَاعُ كَلامِهِ، وَقُرَّةُ العَيْنِ بِالقُرْبِ مِنْهُ وَبِرِضْوَانِهِ فَلا نِسْبَةَ للَذَّةٍ مَا فِيهَا مِن المَأْكُولِ وَالمَشْرُوبِ وَالمَلْبُوسِ وَالقُصُورِ إِلَى هَذِهِ اللَّذَّةِ أبدًا فَأَيْسَرُ يَسِيرٍ مِن رِضْوَانِهِ أَكْبَرُ مِن الجِنَانِ وَمَا فِيهَا مِن ذَلكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) وَأَتَى بِهِ مُنَكَّرًا فِي سِيَاقِ الإِثْبَاتِ. أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ كَانَ مِن رِضَاهُ عَن عَبْدِهِ فَهُوَ أَكْبَرُ مِن الجَنَّةِ.

وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ:"فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِن النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ". وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ:"إِنَّهُ سُبْحَانَهُ إِذَا تَجَلَّى وَرَأَوْا وَجْهَهُ عِيَانًا نَسَوْا مَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ وَذَهَلُوا عَنْهُ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ. وَلا رَيْبَ أَنَّ الأَمَرَ هَكَذَا وَهُوَ أَجَلُّ مِمَّا يَخْطُرُ بِالبَالِ أَوْ يَدُورُ فِي الخَيَالِ."

وَعَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ:"وَأَسْأَلُكَ لذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقِ إِلَى لقَائِكَ"فَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ أَنَّهُ لمْ يُعْطَ أَهْلُ الجَنَّةِ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِن النَّظَرِ إِلَيْهِ وَسُنَّ أَنْ يُدْعَى بِلَذَّةِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الكَرِيمِ وَأَهْلُ الجَنَّةِ قَدْ تَنَعَّمُوا مِن أَنواعِ النَّعِيمِ بِالمَخْلُوقَاتِ بِمَا هُوَ غَايَةُ النَّعِيمِ. فَلَمَّا كَانَ نَظَرُهُمْ إِلَيْهِ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِن كُلِّ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ عُلِمَ أَنَّ لذَّةَ النَّظَرِ إِلَيْهِ أَعْظَمُ عِنْدَ أَهْلِ الجَنَّةِ مِن جَمِيعِ أَنْوَاعِ اللَّذَّاتِ. وَالجَنَّةُ فِيهَا مَا تَشْتَهِي النَّفْسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ فَمَا لذَّتْ أَعْيُنُهُمْ بِأَعْظَمَ مِن لذَّتِهَا بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَاللَّذَّةُ تَحْصُلُ بِإِدْرَاكِ المَحْبُوبِ فَلَوْ لمْ يَكُنْ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِن كُلِّ شيءٍ مَا كَانَ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَكَانَتْ لذَّتُهُ أَعْظَمَ مِنْ كُلِّ لذَّةٍٍ. وَاللَّهُ تَعَالَى وَعَدَ عِبَادَهُ بِالجَنَّةِ وَهِيَ اسْمٌ لِدَارٍ فِيهَا جَمِيعُ أَنْوَاعِ اللَّذَّاتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَخْلُوقِ وَبِالخَالقِ كَمَا أَنَّ اسْمَ النَّارِ اسْمٌ لِدَارٍ فِيهَا جَمِيعُ أَنْوَاعِ الآلامِ لكِنْ غَلِطَ مَن ظَنَّ أَنَّ التَّنَعُّمَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ ليْسَ مِن نَعِيمِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَصَارَ هَؤُلاءِ حِزْبَيْنِ: حِزْبًا أَنْكَرُوا التَّنْعِيمَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ وَهُمُ المُنْكِرُونَ للْمَحَبَّةِ حَتَّى قَالَ أَبُو المَعَالِي وَنَحْوُهُ مِمَّنْ يُنْكِرُ مَحَبَّتَهُ: إنَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ لمْ يَلْتَذُّوا بِنَفْسِ النَّظَرِ بَلْ يَخَلُقُ لهُمْ لذَّةً بِبَعْضِ المَخْلُوقَاتِ مَعَ النَّظَرِ. وَكَذَلكَ مَن شَارَكَهُمْ فِي التَّجَهُّمِ مِن أَهْلِ الوَحْدَةِ كَابْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ: مَا التَذَّ عَارِفٌ بِمُشَاهَدَةٍ قَطُّ.

وَادَّعَى أَبُو المُعَالِي أَنَّ إِنْكَارَ مَحَبَّتِهِ مِن أَسْرَارِ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ مِن أَسْرَارِ تَوْحِيدِ الجَهْمِيِّةِ المُعَطِّلَةِ المُبْدِّلَةِ وَحُكِيَ عَن ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ سَمِعَ رجلًا يَقُولُ: أَسْأَلُكَ لذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ الكَرِيمِ فَقَالَ لهُ: هَبْ أَنَّ لهُ وجهًا أَلَهُ وَجْهٌ يُلْتَذُّ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ؟

وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى هَذَا الأَصْلِ فَإِنَّهُ وَشَيْخَهُ أَبَا يَعْلَى وَنَحْوَهُمَا وَافَقُوا الجَهْمِيَّةَ فِي إِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مَحْبُوبًا وَاتَّبَعُوا فِي ذَلكَ قَوْلَ أَبِي بَكْرِ بْنِ البَاقِلاَّنِيِّ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يُنْكِرُ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَجَعَلَ القَوْلَ بِإِثْبَاتِهَا قَوْلَ الحُلُوليَّةِ.

وَالجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ طَائِفَةً مِن الصُّوفِيَّةِ وَالعُبَّادِ شَارَكُوا هَؤُلاءِ فِي أَنَّ مُسَمَّى الجَنَّةِ لا يَدْخُلُ فِيهِ النَّظَرُ إِلَى اللَّهِ وَهَؤُلاءِ لهُمْ نَصِيبٌ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّلَذُّذِ بِعِبَادَتِهِ وَعِنْدَهُمْ نَصِيبٌ مِن الخَوْفِ وَالشَّوْقِ وَالغَرَامِ فَلَمَّا ظَنُّوا أَنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت