فهرس الكتاب
فِيهَا النَّظَرُ إِلَيْهِ صَارُوا يَسْتَخِفُّونَ بِمُسَمَّى الجَنَّةِ وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: مَا عَبَدْتُكَ شَوْقًا إِلَى جَنَّتِكَ وَلا خَوْفًا مِن نَارِكَ وَهُمْ غَلِطُوا مِن وَجْهَيْنِ.
(أَحَدهمَا) : أَنَّ مَا يَطْلُبُونَهُ مِن النَّظَرِ إِلَيْهِ وَالتَّمَتُّعِ بِذِكْرِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ كُلُّ ذَلكَ فِي الجَنَّةِ.
(الثَّانِي) : أَنَّ الوَاحِدَ مِن هَؤُلاءِ لوْ جَاعَ فِي الدُّنْيَا أَيَّامًا أَوْ أُلْقِيَ فِي بَعْضِ عَذَابِهَا طَارَ قَلْبُهُ وَخَرَجَ مِن قَلْبِهِ كُلُّ مَحَبَّةٍ فَاعِلًا نَعِيمَ أَهْلِ الجَنَّةِ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ فِي قَصِيدَتِهِ فِي السُّنَّةِ:
وَقُلْ يَتَجَلَّى اللَّهُ للْخَلْقِ جَهْرَةً كَمَا البَدْرُ لا يَخْفَى وَرَبُّكَ أَوْضَحُ
وَقَدْ يُنْكِرُ الجَهْمِيُّ هَذَا وَعِنْدَنَا ... بِمِصْدَاقِ مَا قُلْنَا حَدِيثٌ مُصَرِّحُ
رَوَاهُ جَرِيرٌ عَن مَقَالِ مُحَمَّدٍ ... فَقُلْ مِثْلَ مَا قد قَالَ فِي ذَاكَ تَنْجَحُ
وَفِي السُّنَنِ مِن حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عبدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"بَيْنَمَا أَهَّلُ الجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدِ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ قَالَ: وَذَلكَ قَوْله تَعَالَى: {سَلامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} قَالَ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ وَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ".
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مرفوعًا:"إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَ سَنَةٍ وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لمَنْ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ".
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاقُوهُ} وَقَالَ: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ} وَقَالَ: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُو رَبِّهِمْ} وَأَجْمَعَ أَهْلُ اللِّسَانِ عَلَى أَنَّ اللِّقَاءَ مَتَى نُسِبَ إِلَى الحَيِّ السَّليمِ مِن العَمَى المَانِعِ اقْتَضَى الرُّؤْيَةَ , وَلا يَنْتَقِضُ هَذَا بِقَوْلهِ تَعَالَى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} فَقَدْ دَلَّتِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ عَلَى أَنَّ المُنَافِقِينَ يَرَوْنَهُ تَعَالَى فِي عَرَصَاتِ القِيَامَةِ بَلْ وَالكُفَّارُ أيضًا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ التَّجَلِّي يَوْمَ القِيَامَةِ. وَفِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ لأَهْلِ السُّنَّةِ.
(أَحَدُهَا) أَنَّهُ لا يَرَاهُ إِلا المُؤْمِنُونَ.