الصفحة 142 من 204

(وَالثَّانِي) : يَرَاهُ جَمِيعُ أَهْلِ المَوْقِفِ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَن الكُفَّارِ فَلا يَرَوْنَهُ بَعْدَ ذَلكَ.

(وَالثَّالث) : يَرَاهُ المُنَافِقُونَ دُونَ الكُفَّارِ وَالأَقْوَالُ الثَّلاثَةُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَهِيَ لأَصْحَابِهِ، وَكَذَلكَ الأَقْوَالُ الثَّلاثَةُ هِيَ بِعَيْنِهَا لهُمْ فِي تَكْليمِهِ لهُمْ.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ بَطَّةَ سَمِعْتُ أَبَا أَحْمَدَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الوَاحِدِ صَاحِبَ اللُّغَةِ يَقُولُ، سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى ثَعْلَبًا يَقُولُ فِي قَوْلهِ تَعَالَى: {وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ} أَجْمَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ اللِّقَاءَ هَهُنَا لا يَكُونُ إِلا مُعَايَنَةً وَنَظَرًا بالأَبْصَارِ وَحَسْبُكَ بِهَذَا الإِسْنَادِ صِحَّةً , وَاللِّقَاءُ ثَابِتٌ بِنَصِّ القُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ وَبِالمُتَوَاتِرِ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلُّ أَحَادِيثِ اللِّقَاءِ صَحِيحَةٌ كَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ حَدِيثِ بِئْرِ مَعُونَةَ:"إِنَّا قَدْ لقِيَنَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا"وَحَدِيثِ عُبَادَةَ وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ:"مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لقَاءَهُ"وَحَدِيثِ أَنَسٍ:"فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ".

وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ:"لوْ لقِيتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً". وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى"مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ"وَغَيْرِ ذَلكَ مِن أَحَادِيثِ اللِّقَاءِ الَّتِي اطَّرَدَتْ كُلُّهَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَأَهْلُ الحَقِّ عَلَى إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ.

والجَهْمِيِّةُ وَالمُعْتَزِلَةُ وَالخَوَارِجُ وَطَائِفَةٌ مِن غَيْرِ الإماميَّةِ تُنْكِرُهَا. وَالإمَامِيَّةُ لهُمْ فِيهَا قَوْلان: فَجُمْهُورُ قُدَمَائِهِمْ يُثْبِتُونَ الرُّؤْيَةَ، وَجُمْهُورُ مُتَأَخَّرِيهِمْ يَنْفُونَهَا.

وَأَمَّا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ الإِسْلامِ المَعْرُوفُونَ بِالإِمَامَةِ فِي الدِّينِ كَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ والأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسِحَاقَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَمْثَالِ هَؤُلاءِ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالحَدِيثِ وَالطَّوَائِفِ المُنْتَسِبِينَ للسُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ كَالْكُلاَبِيَّةِ وَالكَرَّامِيَّةِ وَالأَشْعَرِيَّةِ وَالسَّالمِيَّةِ وَغَيْرِهمْ فَهَؤُلاءِ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ للَّهِ تَعَالَى وَالأَحَادِيثُ مُتَوَاتِرَةٌ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بِحَدِيثِهِ. وَأَمَّا احْتِجَاجُ النُّفَاةِ بِقَوْلهِ تَعَالَى"لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ"فَالآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لا لهُمْ لأَنَّ الإِدْرَاكَ إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الرُّؤْيَةِ أَوِ الرُّؤْيَةُ المُقَيَّدَةُ بِالإِحَاطَةِ وَالأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لأَنَّهُ ليْسَ كُلٌّ مَن رَأَى شَيْئًا يُقَالُ أدْرَكَهُ كَمَا لا يُقَالُ: أَحَاطَ بِهِ، كَمَا سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ رِضَى اللَّه عَنْهُمَا عَن ذَلكَ فَقَالَ: أَلسْتَ تَرَى السَّمَاءَ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ أكُلَّهَا تَرَى؟ قَالَ لا.

وَمَن رَأَى جَوَانِبَ الجَيْشِ أَوِ الجَبَلِ أَوِ البُسْتَانِ أَوِ المَدِينَةِ لا يُقَالُ: إِنَّهُ أَدْرَكَهَا وَإِنَّمَا يُقَالُ: أَدْرَكَهَا إِذَا أَحَاطَ بِهَا رُؤْيَةً. وَنَحْنُ فِي هَذَا المَقَامِ ليْسَ عَلَيْنَا بَيَانُ ذَلكَ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا بَيَانًا لِسَنَدِ المَنْعِ المُسْتَدَلِّ بِالآيَةِ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الإِدْرَاكَ فِي لُغَةِ العَرَبِ مُرَادِفٌ للرُّؤْيَةِ وَأَنَّ كُلَّ مَن رَأَى شَيْئًا يُقَالُ فِي لُغَتِهِمْ: إِنَّهُ أَدْرَكَهُ. وَهَذَا لا سَبِيلَ إِلَيْهِ، كَيْفَ وَبَيْنَ لفْظِ الرُّؤْيَةِ وَلَفْظِ الإِدْرَاكِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ فَقَدْ تَقَعُ رُؤْيَةٌ بِلا إِدْرَاكٍ، وَقَدْ يَقَعُ إِدْرَاكٌ بِلا رُؤْيَةٍ أَوِ اشْتِرَاكٍ لفْظِيٍّ، وَإِنَّ الإِدْرَاكَ يُسْتَعْمَلُ فِي إِدْرَاكِ العِلْمِ وَإِدْرَاكِ القُدْرَةِ، فَقَدْ يُدْرَكُ الشَّيْءُ بِالقُدْرَةِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهَدْ كَالأَعْمَى الذي طَلَبَ رجلًا هاربًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت