الصفحة 144 من 204

لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لعَظَمَتِهِ يَتَعَالَى أَنْ تُدْرِكَهُ الأَبْصَارُ وَتُحِيطُ بِهِ. وَلِلُطْفِهِ وَخِبْرَتِهِ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ فَلا تَخْفَى عَلَيْهِ فَهُوَ العَظِيمُ فِي لُطْفِهِ اللَّطِيفُ فِي عَظَمَتِهِ.

وَأَمَّا اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ بِقَوْلهِ تَعَالَى لمُوسَى: {لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} عَلَى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ فِي الآخِرَةِ فَذَلكَ اسْتِدْلالٌ فَاسِدٌ، وَالآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ودلالتُها عَلَى الرُّؤْيَةِ مِن وُجُوهِ.

(أَحَدُهَا) : أَنَّهُ لا يُظَنُّ بِكَليمِ الرَّحْمَنِ وَرَسُولهِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ مَا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ مِن أَبْطَلِ البَاطِلِ وَأَعْظَمِ المُحَالِ وَهُوَ عِنْدَ فُرُوخِ اليُونَانِ وَالصَّابِئَةِ وَالفِرْعُونِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَسْأَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيَنَامَ وَنَحْوَ ذَلكَ مِمَّا يَتَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ.

(الثَّانِي) : أَنَّ اللَّهَ لمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سُؤَالَهُ وَلَوْ كَانَ مُحَالًا لأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لمَّا سَأَلَ نُوحٌ رَبَّهُ نَجَاةَ ابْنِهِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ سُؤَالَهُ وَقَالَ: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الجَاهِلينَ} .

(الثَّالثُ) : أَنَّهُ أَجَابَهُ بِقَوْلهِ: {لَنْ تَرَانِي} وَلَمْ يَقُلْ لا تَرَانِي، وَلا إِنِّي لسْتُ بِمَرْئِيٍّ، وَلا تَجُوزُ رُؤْيَتِي، وَالفَرْقُ بَيْنَ الجَوَّابَيْنِ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُرَى وَلَكِنْ مُوسَى لا تَحْتَمِلُ قُوَاهُ رُؤْيَتَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ لضَعْفِ قُوَّةِ البَشَرِ فِيهَا عَن رُؤْيَتِهِ تَعَالَى يُوَضِّحُهُ.

(الرَّابِعُ) وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} فَأَعْلَمَهُ أَنَّ الجَبَلَ مَعَ قُوَّتِهِ وَصَلابَتِهِ لا يَثْبُتُ لتَجَلِّيهِ لهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَكَيْفَ بِالبَشَرِ الضَّعِيفِ الذي خُلِقَ مِنْ ضَعْفٍ

(الخَامِسُ) أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ الجَبَلَ يَسْتَقِرُّ مَكَانَهُ وَلَيْسَ هَذَا بِمُمْتَنِعٍ فِي مَقْدُورِهِ، بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ وَقَدْ عَلَّقَ بِهِ الرُّؤْيَةَ وَلَوْ كَانَتْ مُحالًا فِي ذَاتِهَا لمْ يُعَلِّقْهَا بِالمُمْكِنِ فِي ذَاتِهِ وَلَوْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ مُحالًا لكَانَ ذَلكَ نَظِيرَ أَنْ يَقُولَ: إِنِ اسْتَقَرَّ الجَبَلُ فَسَوْفَ آكُلُ وَأَشْرَبُ وَأَنَامُ، فَالأَمْرَانِ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ.

(السَّادِسُ) قَوْلُه تَعَالَى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} فَإِذَا جَازَ أَنْ يَتَجَلَّى للْجَبَلِ الذي هُوَ جَمَادٌ لا ثَوَابَ لهُ وَلا عِقَابَ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَجَلَّى لأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَأَوْليَائِهِ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ وَيُرِيَهُمْ نَفْسَهُ؟ فَأَعْلَمَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُوسَى أَنَّ الجَبَلَ إِذَا لم يَثْبُتْ لرُؤْيَتِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَالبَشَرُ أَضْعَفُ.

(السَّابِعُ) : أَنَّ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ كَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ وَخَاطَبَهُ وَنَاجَاهُ وَنَادَاهُ وَمَن جَازَ عَلَيْهِ التَكلُّمُ وَالتَّكْليمُ، وَأَنْ يَسْمَعَ مُخَاطِبُهُ كَلامَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَرُؤْيَتُهُ أَوْلَى بِالجَوَازِ. وَلهَذَا لا يَتِمُّ إِنْكَارُ الرُّؤْيَةِ إِلا بِإِنْكَارِ التَّكْليمِ. وَقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الطَّوَائِفُ بَيْنَ إِنْكَارِ الأَمْرَيْنِ فَأَنْكَرُوا أَنْ يُكلِّمَ أحدًا أَوْ يَرَاهُ أَحَدٌ؛ وَلهَذَا سَأَلَهُ مُوسَى النَّظَرَ إِلَيْهِ لمَّا أَسْمَعَهُ كَلامَهُ وَعَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ جَوَازَ رُؤْيَتِهِ مِن وُقُوعِ خِطَابِهِ وَتَكْليمِهِ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِاسْتِحَالَةِ ذَلكَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ أَرَاهُ أَنَّ مَا سَأَلَ عَنْهُ لا يَقْدِرُ عَلَى احْتِمَالهِ كَمَا لمْ يَثْبُتِ الجَبَلُ لتَجَلِّيهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت