الصفحة 145 من 204

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَنْ تَرَانِي) فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ فِي المُسْتَقْبَلِ وَلا يَدُلُّ عَلَى دَوَامِ النَّفْيِ وَلَوْ قُيِّدَتْ بِالتَّأْكِيدِ فَكَيْفَ إِذَا أُطْلِقَتْ قَالَ تَعَالَى: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) مَعَ قَوْلهِ: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) .

وَلأَنَّهَا لوْ كَانَتْ للتَّأْبِيدِ المُطْلَقِ لمَا جَازَ تَحْدِيدُ الفِعْلِ بَعْدَهَا وَقَدْ جَاءَ ذَلكَ قَالَ تَعَالَى: (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لي أَبِي) فَثَبَتَ أَنَّ (لَنْ) لا تَقْتَضِي النَّفْيَ المُؤَبَّدَ. قَالَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ مَالكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ:

وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلْنَ مُؤَبَّدًا ... فَقَوْلُهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا

وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) كَيْفَ نُفِيَ فِعْلُ الإِدْرَاكِ بِلا الدَّالَّةِ عَلَى طُولِ النَّفْيِ وَدَوَامِهِ فَإِنَّهُ لا يُدْرَكُ أبدًا وَإِنْ رَآهُ المُؤْمِنُونَ فَأَبْصَارُهُمْ لا تُدْرِكُهُ تَعَالَى عَن أَنْ يُحِيطَ بِهِ مَخْلُوقٌ وَكَيْفَ نَفَى الرُّؤْيَةَ بِلَنْ فَقَالَ: (لَنْ تَرَانِي) لأَنَّ النَّفْيَ بِهَا لا يَتَأَبَّدُ وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِمْ بِتَأْبِيدِ النَّفْيِ بِلَنْ صريحًا بِقَوْلهِ: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) فَهَذَا تَمَنٍّ للْمَوْتِ فَلَوْ اقْتَضَتْ لنْ دَوَامَ النَّفْيِ تَنَاقَضَ الكَلامُ، كَيْفَ وَهِيَ مَقْرُونَةٌ بِالتَّأْبِيدِ بِقَوْلهِ: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} وَلَكِنْ ذَلكَ لا يُنَافِي تَمَنِّيهِ فِي النَّارِ لأَنَّ التَّأْبِيدَ قَدْ يُرَادُ بِهِ التَّأْبِيدُ المُقَيَّدُ وَالتَّأْبِيدُ المُطْلَقُ، فَالمُقَيَّدُ كَالتَّأْبِيدِ بِمُدَّةِ الحَيَاةِ كَقَوْلِكَ: وَاللَّهِ لا أُكَلِّمُهُ أبدًا، وَالمُطْلَقُ كَقَوْلِكَ: وَاللَّهِ لا أَكْفُرُ بِرَبِّي أبدًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلكَ فَالآيَةُ إِنَّمَا اقْتَضَتْ نَفْيَ تَمَنِّي المَوْتِ أَبَدَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ للآْخِرَةِ أصلًا، قَالَ أَبُو القَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ: عَلَى أَنِّي أَقُولُ: إِنَّ العَرَبَ إِنَّمَا تَنْفِي بِلَنْ مَا كَانَ مُمْكِنًا عِنْدَ المُخَاطَبِ مَظْنُونًا أَنَّهُ سَيَكُونُ فَتَقُولُ لهُ: إِنَّ"لَنْ"تَكُونُ لِمَا ظُنَّ أَنَّهُ يَكُونُ لأَنَّ"لَنْ"فِيهَا مَعْنَى"أَنَّ"وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ عِنْدَهُمْ عَلَى الشَّكِّ لا عَلَى الظَّنِّ كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَيَكُونُ أَمْ لا؟ قُلْتُ فِي النَّفْيِ لنْ يَكُونَ. وَهَذَا كُلُّه مُقَوٍّ لتَرْكِيبِهَا مِن لا، وَإِنْ تَبَيَّنَ لك وَجْهُ اخْتِصَاصِهَا فِي القُرْآنِ بِالمَوَاضِعِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا دُونَ لا.

وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ هَلْ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّه ليْلَةَ المِعْرَاجِ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لمْ يَرَ) وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِن الأَحَادِيثِ المَعْرُوفَةِ أَنَّهُ رَآهُ ليْلَةَ المِعْرَاجِ لكِنْ رُوِيَ فِي ذَلكَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ وَالذي نَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الرُّؤْيَةِ هُوَ مَا جَاءَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا قَالَهُ أَصْحَابُهُ. فَتَارَةً يَقُولُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مُتَّبِعًا لأَبِي ذَرٍّ فَإِنَّهُ رُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلمٍ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ؟ وَلَمْ يُنْقُلْ هَذَا السُّؤَالُ عَن غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، فَلَمَّا كَانَ أَبُو ذَرٍّ أَعْلَمَ مِن غَيْرِهِ اتَّبَعَهُ أَحْمَدُ مَعَ مَا يَثْبُتُ فِي الصَّحِيحِ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ، وَتَارَةً يَقُولُ أَحْمَدُ: رَآهُ وَيُطْلِقُ اللَّفْظَ وَلا يُقَيِّدُهُ بِعَيْنٍ وَلا قَلْبٍ اتِّباعًا للْحَدِيثِ.

وَتَارَةً يَسْتَحْسِنُ قَوْلَ مَن يَقُولُ رَآهُ وَلا يَقُولُ بِعَيْنٍ وَلا قَلْبٍ. وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِن أَصْحَابِ أَحْمَدَ الذين بَاشَرُوهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ رَآهُ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ مَا نَقَلُوهُ عَن أَحْمَدَ الخَلاَّلِ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِ. وَكَذَلكَ لم يَنْقُلْ أَحَدٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ رَآهُ بِعَيْنِهِ بَل الثَّابِتُ عَنْهُ إِمَّا الإِطْلاقُ، وَإِمَّا التَّقْيِيدُ بِالفُؤَادِ. وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِ أَحْمَدَ كَالقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَمَن اتَّبَعَهُ عَن أَحْمَدَ ثَلاَثَ رِوَايَاتٍ فِي رُؤْيَتِهِ تَعَالَى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت