الصفحة 146 من 204

إِحْدَاهَا: إِنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ وَاخْتَارُوا ذَلكَ وَكَذَلكَ اخْتَارَهُ الأَشْعَرِيُّ وَطَائِفَةٌ وَلَمْ يَنْقُلْ هَؤُلاءِ عَن أَحْمَدَ لفظًا صريحًا بِذَلكَ. وَلا عَن ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَكِنَّ المَنْقُولَ الثَّابِتَ عَن أَحْمَدَ مِن جِنْسِ النُّقُولِ الثَّابِتَةِ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: إِمَّا تَقْيِيدُ الرُّؤْيَةِ بِالقَلْبِ وَإِمَّا إِطْلاقُهَا. وَإِمَّا تَقْيِيدُهَا بِالعَيْنِ فَلَمْ يَثْبُتْ لا عَن أَحْمَدَ وَلا عَن ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَأَمَّا مَن سِوَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ ذَكَرَ الإِمَامُ أَحْمَدُ اتِّفَاقَ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ لمْ يَرَهُ أَحَدٌ بِعَيْنِهِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلمٍ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"وَاعْلَمُوا أَنَّ أحدًا مِنْكُمْ لنْ يَرَى رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ".

وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ قَالَ ابْنُ القَيِّمِ سَمِعْتُ شَيْخَ الإِسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ. مَعْنَاهُ كَانَ ثَمَّ نُورٌ وَحَالَ دُونَ رُؤْيَتِهِ نُورٌ فَأَنَّى أَرَاهُ؟ قَالَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلكَ أَنَّ فِي بَعْضِ الأَلْفَاظِ الصَّحِيحَةِ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ نُورًا. وَقَدْ أعْضَلَ أَمْرُ هَذَا الحَدِيثِ عَلَى كَثِيرٍ مِن النَّاسِ حَتَّى صَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: نُورَانِيٌّ أَرَاهُ عَلَى أَنَّهَا يَاءُ النَّسَبِ وَالكَلمَةُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهَذَا خَطَأٌ لفظًا وَمَعْنًى، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ لهُمْ هَذَا الإِشْكَالَ وَالخَطَأَ أَنَّهُمْ لمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهَ وَكَانَ قَوْلُه"أَنَّى أَرَاهُ"كَالإِنْكَارِ للرُّؤْيَةِ حَارُوا فِي الحَدِيثِ وَرَدَّهُ بَعْضُهمْ بِاضْطِرَابِ لفْظِهِ، وَكُلُّ هَذَا عُدُولٌ عَن مُوجِبِ الدَّليلِ. وَقَدْ حَكَى عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الرُّؤْيَةِ لهُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ لمْ يَرَ رَبَّهُ ليْلَةَ المِعْرَاجِ وَبَعْضُهمْ اسْتَثْنَى ابْنَ عَبَّاسٍ فِيمَنْ قَالَ ذَلكَ.

وَشَيْخُنَا يَقُولُ: ليْسَ ذَلكَ بِخِلافٍ فِي الحَقِيقَةِ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ: لمْ يَقُلْ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ. وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ أَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يَقُلْ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ. وَلَفْظُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ شَيْخُنَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قَوْلُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الآخَرِ (حِجَابَهُ النُّورُ) فَهَذَا النُّورُ هُوَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ النُّورُ المَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (رَأَيْتُ نُورًا) اهـ

وَفِي صَحِيحِ مُسْلمٍ عَن عَائِشَةَ قَالَتْ:"مَن زَعَمَ أَنَّ مُحمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الفِرْيَةَ , وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} ؟ قَالَتْ إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ كَانَ يَأْتِيه فِي صُورَةِ الرِّجَالِ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ المَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ فَسَدَّ الأُفُقَ."

وَفِي صَحِيحِ مُسْلمٍ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ:"نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ"؟ وَفِي صَحِيحِ مُسْلمٍ أيضًا:"حِجَابُهُ النُّورُ لوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ".

وَهَذَا الحَدِيثُ سَاقَهُ مُسْلمٌ بَعْدَ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ المُقَدَّمِ عَقِيبَهُ. وَهُوَ كَالتَّفْسِيرِ لهُ وَلا يُنَافِي هَذَا قَوْلَه فِي حَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ (فَيَكْشِفُ الحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ) فَإِنَّ النُّورَ الذي هُوَ حِجَابُ الرَّبِّ تَعَالَى يُرَادُ بِهِ الحِجَابُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت