فهرس الكتاب
الأَدْنَى إِلَيْهِ وَهُوَ لوْ كُشِفَ لمْ يَقُمْ لهُ شَيْءٌ. كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} قَالَ ذَلكَ نُورُهُ الذي هُوَ نُورُهُ إِذَا تَجَلَّى بِهِ لمْ يَقُمْ لهُ شَيْءٌ. وَهَذَا الذي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} عَلَى عُمُومِهِ وَإِطْلاقِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلا يَلْزَمُ مِن ذَلكَ أَنْ لا يُرَى بَلْ يُرَى فِي الآخِرَةِ بِالأَبْصَارِ مِن غَيْرِ إِدْرَاكٍ. وَإِذَا كَانَتْ أَبْصَارُنَا لا تَقُومُ لإِدْرَاكِ الشَّمْسِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَإِنْ رَأَتْهَا مَعَ القُرْبِ الذي بَيْنَ المَخْلُوقِ وَالمَخْلُوقِ فَالتَّفَاوُتُ الذي بَيْنَ أَبْصَارِ الخَلائِقِ وَذَاتِ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ. وَلهَذَا لمَّا حَصَلَ للْجَبَلِ أَدْنَى شَيْءٍ مِن تَجَلِّي الرَّبِّ تَسَافَى الجَبَلُ وَانْدَكَّ لسُبُحَاتِ ذَلكَ القَدْرِ مِن التَّجَلِّي.
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَرْفُوعِ:"جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَحُلِيَّتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِن فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَحَلِيَّتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ"فَهَذَا يَدُلُّ أَنَّ الكِبْرِيَاءَ عَلَى وَجْهِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ المَانِعُ مِن رُؤْيَةِ الذَّاتِ وَلا يَمْنَعُ مِن أَصْلِ الرُّؤْيَةِ فَإِنَّ الكِبْرِيَاءَ وَالعَظَمَةَ أَمْرٌ لازِمٌ لذَاتِهِ تَعَالَى فَإِذَا تَجَلَّى سُبْحَانَهُ لعِبَادِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَشَفَ الحِجَابَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فَهُوَ الحِجَابُ المَخْلُوقُ.
وَأَمَّا أَنْوَارُ الذَّاتِ الذي يُحْجَبُ عَن إِدْرَاكِهَا فَذَاكَ صِفَةٌ للذَّاتِ لا تُفَارِقُ ذَاتَ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ وَلَوْ كَشَفَ ذَلكَ الحِجَابَ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ، وَتَكْفِي هَذِهِ الإِشَارَةُ فِي هَذَا المَقَامِ للْمُصَدِّقِ المُوقِنِ. وَأَمَّا المُعَطِّلُ الجَهْمِيُّ فَكُلُّ هَذَا عِنْدَهُ بَاطِلٌ وَمُحَالٌ. وَالمَقْصُودُ أَنَّ المُخْبِرَ عَنْهُ بِالرُّؤْيَةِ فِي سُورَةِ النَّجْمِ هُوَ جِبْرِيلُ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ هَذِهِ الآيَةُ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ المَرْئِيَّ فِيهَا جِبْرِيلُ فَلا دَلالَةَ فِيهَا عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ حَكَى عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ الإِجْمَاعَ عَلَى مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ"."
وَقَدْ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ المُسْلمِينَ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِن المُؤْمِنِينَ لا يَرَى اللَّهَ بِعَيْنِهِ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يَتَنَازَعُوا إِلا فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّ جَمَاهِيرَ الأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ، وَعَلَى هَذَا دَلَّتِ الآثَارُ الصَّحِيحةُ الثَّابِتَةُ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ المُسْلمِينَ. وَلَمْ يَثْبُتْ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ وَلا عَن الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَمْثَالِهِمَا أَنَّهُمْ قَالُوا: رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنِهِ، بَل الثَّابِتُ عَنْهُمْ إِمَّا إِطْلاقُ الرُّؤْيَةِ، وَإِمَّا تَقْيِيدُهَا بِالفُؤَادِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِن أَحَادِيثِ المِعْرَاجِ الثَّابِتَةِ أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ. وَقَوْلُهُ: أَتَانِي البَارِحَةَ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةً"الحَدِيثُ الذي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ إِنَّمَا كَانَ بِالمَدِينَةِ فِي المَنَامِ. هَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا وَكَذَلكَ حَدِيثُ أَمِّ الطُّفَيْلِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا فِيهِ رُؤْيَةُ رَبِّهِ إِنَّمَا كَانَ بِالمَدِينَةِ. كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الأَحَادِيثِ، وَالمِعْرَاجُ كَانَ بِمَكَّةَ كَمَا قَالَ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} وَقَدْ ثَبَتَ بِنَصِّ القُرْآنِ أَنَّ مُوسَى قِيلَ لهُ: لَنْ تَرَانِي وَأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِن إِنْزَالِ كِتَابٍ مِن السَّمَاءِ. فَمَنْ قَالَ: إِنَّ أحدًا مِن النَّاسِ يَرَاهُ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ أَعْظَمُ مِن مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَدَعْوَاهُ أَعْظَمُ مِن دَعْوَى مَن ادَّعَى أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كتابًا مِن السَّمَاءِ."