فهرس الكتاب
وَالمُسْلمُونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: فَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ المُسْلمِينَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الآخِرَةِ بِالأَبْصَارِ عِيانًا، وَأَنَّ أحدًا لا يَرَاهُ فِي الدُّنْيَا بِعَيْنِهِ لكِنْ يُرَى فِي المَنَامِ وَيَحْصُلُ للْقُلُوبِ فِي المُكَاشَفَاتِ وَالمُشَاهَدَاتِ مَا يُنَاسِبُ حَالَهَا. وَمِن النَّاسِ مَن تَقْوَى مُشَاهَدَةُ قَلْبِهِ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ رَأَى ذَلكَ بِعَيْنِهِ وَهُوَ غَالِطٌ. وَمُشَاهَدَاتُ القُلُوبِ تَحْصُلُ بِحَسَبِ إِيمَانِ العَبْدِ وَمَعْرِفَتِهِ فِي صُورَةٍ مِثَاليَّةٍ.
(وَالقَوْلُ الثَّانِي) قَوْلُ نُفَاةِ الجَهْمِيّةِ أَنَّهُ لا يُرَى فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ.
(وَالثَّالثُ) قَوْلُ مَن يَزْعُمُ أَنَّهُ يُرَى فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَحُلُوليَّةُ الجَهْمِيِّةِ يَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لا يُرَى فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّهُ يُرَى فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَرَبِيٍّ صَاحِبِ الفُصُوصِ وَأَمْثَالِهِ لأَنَّ الوُجُودَ المُطْلَقَ السَّارِي فِي الكَائِنَاتِ لا يُرَى، وَهُوَ وُجُودُ الحَقِّ عِنْدَهُمْ.
* فصلٌ في الإيمانِ باليومِ الآخرِ *
فَصْلٌ: وَمِن الإِيمَانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ الإِيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ، فيؤِمنُونَ بِفِتْنَةِ القَبْرِ، وَبِعَذَابِ القَبْرِ ونَعيِمهِ.
فَأَمَّا الفِتْنَةُ فَإِنَّ النَّاسَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَيُقَالُ للرَّجُلِ: مَن رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ ومَن نَبِيُّكَ؟
فَيُثَبِّتُ اللَّهُ الذين آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، فأمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ وَالإِسْلامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّي.
وَأَمَّا المُرْتَابُ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَّةٍ مِن حَدِيدٍ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ.
هَذَا هُوَ الرُّكْنُ الخَامِسُ مِن أَرْكَانِ الإِيمَانِ وَهُوَ الإِيمَانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ، وَجُمْهُورُ بَنِي آدَمَ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلكَ العَقْلُ وَالفِطْرَةُ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ جَمِيعُ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَنَادَى بِهِ الأَنْبِيَاءُ وَالمُرْسَلُونَ. وَالنَّاسُ فِي البَرْزَخِ يُفْتَنُونَ وَيُنَعَّمُونَ أَوْ يُعَذَّبُونَ عَلَى ذَلكَ كَمَا دَلَّتِ النُّصُوصُ القُرْآنِيَّةُ وَالأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ قَتَادَةَ عَن أَنَسٍ أَنَّ رَسُول َ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولاَنِ لهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُقَالُ لهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ قَالَ فَيَرَاهُمَا جميعًا". قَالَ: وَذُكِرَ لنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ البَصَرِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ