فهرس الكتاب
وَلهَذَا كَانَ الصَّوَابُ أَنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ إِلا مَن أَذْنَبَ. وأيضًا فَالأَمْرُ الذي لا يُمْكِنُ القُدْرَةُ عَلَيْهِ لا يَصْلُحُ أَنْ يُمْدَحَ المَمْدُوحُ بِعَدَمِ إِرَادَتِهِ وَفِعْلِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ المَدْحُ بِتَرْكِ الأَفْعَالِ إِذَا كَانَ المَمْدُوحُ قادرًا عَلَيْهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ مِن الظُّلْمِ وَإِنَّهُ لا يَفْعَلُهُ وَبِذَلكَ يَصِحُّ قَوْلُهُ:"إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي". فَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا هُوَ مُمْتَنِعٌ لذَاتِه فَلا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ: حَرَّمْتُ أَوْ مَنَعْتُ نَفْسِي مِن خَلْقِ مِثْلِي. أَوْ مِن جَعْلِ المَخْلُوقَاتِ خَالقَةً وَنَحْوِ ذَلكَ مِن المُحَالاتِ الَّتِي يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّهَا ليْسَتْ مُرادًا للرَّبِّ.
وَالذي قَالَهُ النَّاسُ: إِنَّ الظُّلْمَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ يَتَنَاوَلُ هَذَا المَقْدُورَ دُونَ ذَاكَ المُمْتَنِعِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: الظُّلْمُ إِضْرَارُ غَيْرِ المُسْتَحَقِّ فَاللَّهُ لا يُعَاقِبُ أحدًا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَكَذَلكَ مَن قَالَ: هُوَ نَقْصُ الحَقِّ كَقَوْلهِ: {كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ أَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِّنْهُ شَيْئًا} وَمَنْ قَالَ هُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الغَيْرِ، فَلَيْسَ بِمُطَّرِدٍ وَلا مُنْعَكِسٍ فَقَدْ يَتَصَرَّفُ الإِنْسَانُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِحَقٍّ وَلا يَكُونُ ظالمًا.
وَقَدْ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيَكُونُ ظالمًا، وَظُلْمُ العَبْدِ نَفْسَهُ كَثِيرٌ فِي القُرْآنِ فَتَبَيَّنَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ: إِنَّ القَوْلَ الوَسَطَ وَهُوَ الحَقُّ أَنَّ الظُّلْمَ الذي حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ حَسَنَاتِ المُحْسِنِ فَلا يَجْزِيهِ بِهَا، وَيُعَاقِبُ البَرِيءَ عَلَى مَا لمْ يَفْعَلْهُ مِن السَّيِّئَاتِ، وَيُعَاقِبُ هَذَا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، أَوْ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِغَيْرِ القِسْطِ وَنَحْوُ ذَلكَ مِن الأَفْعَالِ الَّتِي نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ عَنْهَا لقِسْطِهِ وَعَدْلِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الحَمْدَ وَالثَّنَاءَ؛ لأَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الظُّلْمَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ:"إِنِّي عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ قَالُوا: قَبِلْنَا جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ"الحَدِيثُ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ عُلَمَاءُ المُسْلمِينَ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ فِي أَوَّلِ هَذِهِ المَخْلُوقَاتِ هُوَ العَرْشُ أَوِ القَلَمُ، وَالأَوَّلُ أَرْجَحُ كَمَا قَالَ فِي الكَافِيَةِ الشَّافِيَةِ:
وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي القَلَمِ الَّذِي كَتَبَ القَضَاءَ بِهِ مِنَ الدَّيَّانِ
هَلْ كَانَ قَبْلَ العَرْشِ أَوْ هُوَ بَعْدَهُ ... قَوْلانِ عِنْدَ أَبِي العَلاَ الهَمْدَانِيِّ
وَالحَقُّ أَنَّ العَرْشَ قَبْلُ لأَنَّهُ ... قَبْلَ الكِتَابَةِ كَانَ ذَا أَرْكَانِ
وَكِتَابَةُ القَلَمِ الشَّرِيفِ تَعَقَّبَتْ ... إِيجَادَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلِ زَمَانِ
لَمَّا بَرَاهُ اللَّهُ قَالَ اكْتُبْ كَذَا ... فَغَدَا بِأَمْرِ اللَّهِ ذَا جَرَيَانِ