فهرس الكتاب
أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مرفوعًا:"لوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لهُمْ مِن أَعْمَالِهِمْ"الحَدِيثَ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيه عَن رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:"يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا".
"وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مَعْنَى هَذَا الظُّلْمِ تَنَازُعًا صَارُوا فِيهِ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، وَوَسَطٌ بَيْنَهُمَا وَخَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَطُهَا. فَذَهَبَ المُكَذِّبُونَ بِالقَدَرِ القَائِلُونَ بِأَنَّ اللَّهَ لمْ يخَلُقْ أَفْعَالَ العِبَادِ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَكُونَ إِلا مَا أَمَرَ بِأَنْ يَكُونَ ,وَغُلَاتُهُمُ المُكَذِّبُونَ بِتَقَدُّمِ عِلْمِ اللَّهِ وَكِتَابَتِهِ بِمَا سَيَكُونُ مِن أَفْعَالِ العِبَادِ مِن المُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ ـ إِلَى أَنَّ الظُّلْمَ مِنْهُ تَعَالَى هُوَ نَظِيرُ الظُّلْمِ مِن الآدَمِيِّينَ بَعْضَهُمْ لبَعْضٍ وَشَبَّهُوهُ وَمَثَّلُوهُ فِي الأَفْعَالِ بِأَفْعَالِ العِبَادِ حَتَّى كَانُوا هُمْ مُمَثِّلَةَ الأَفْعَالِ قَالُوا إِذَا أُمِرَ العَبْدُ وَلَمْ يُعِنْهُ بِجَمِيعِ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَيْهِ مِن وُجُوهِ الإِعَانَةِ كَانَ ظَالِمًا لهُ والْتَزَمُوا أَنَّهُ لا يُقَدِّرُ أَنْ يُهْدِيَ ضالاًّ كَمَا قَالُوا: إِنَّهُ لا يُقَدِّرُ أَنْ يُضِلَّ مُهْتَدِيًا. وَقَالُوا: إِذَا أَمَرَ اثْنَيْنِ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ وَخَصَّ أَحَدَهُمَا بِإِعَانَتِهِ عَلَى فِعْلِ المَأْمُورِ كَانَ ظَالِمًا، إِلَى أَمْثَالِ ذَلكَ مِن الأُمُورِ الَّتِي هِيَ مِن بَابِ الفَضْلِ وَالإِحْسَانِ جَعَلُوا تَرْكَهُ لهَا ظلمًا. وَكَذَلكَ ظَنُّوا أَنَّ التَّعْذِيبَ لِمَنْ كَانَ فِعْلُهُ مُقَدَّرًا ظُلْمٌ مِنْهُ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ التَّعْذِيبِ لمَنْ قَامَ بِهِ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ ذَلكَ، وَمَن لمْ يَقُمْ بِهِ سَبَبُهُ. وَإِنْ كَانَ ذَلكَ الاسْتِحْقَاقُ لحِكْمَةٍ أُخْرَى عَامَّةٍ أَوْ خَاصَّةٍ."
فَعَارَضَ هَؤُلاءِ آخَرُونَ مِن أَهْلِ الكَلامِ المُثْبِتِينَ للْقَدَرِ وَقَالُوا ليْسَ الظُّلْمُ مِنْهُ حَقِيقَةً يُمْكِنُ وُجُودُهَا، بَلْ هُوَ مِن الأُمُورِ المُمْتَنِعَةِ لذَاتِهَا فَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا وَلا أَنْ يُقَالُ: إِنَّهُ تَارِكٌ لهُ بِاخْتِيَارِهِ.
وَإِنَّمَا هُوَ مِن بَابِ الجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَجَعْلِ الجِسْمِ الوَاحِدِ فِي مَكَانَيْنِ وَإِلا فَهُمَا قَدَرٌ فِي الذِّهْنِ وَكَانَ وُجُودُهُ مُمْكِنًا فَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بظُلْمٍ مِنْهُ سَوَاءٌ فَعَلَهُ أَوْ لمْ يَفْعَلْهُ وَتَلَقَّى هَذَا القَوْلَ عَن هَؤُلاءِ طَوَائِفُ مِن أَهْلِ الإِثْبَاتِ مِن الفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الحَدِيثِ مِن أَصْحَابِ مَالكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ مِن شُرَّاحِ الحَدِيثِ وَفَسَّرُوا هَذَا الحَدِيثَ بِمَا يَنْبَنِي عَلَى هَذَا القَوْلُ.
فَقَوْلُهُ: {فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا} قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: لا يَخَافُ أَنْ يُظْلمَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ وَلا يُهْضَمُ فَيُنْقِصُهُ مِن حَسَنَاتِهِ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الظُّلْمُ هُوَ شَيْئًا مُمتنعًا غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَلا يَخَافُ مَا هُوَ مُمْتَنِعٌ لذَاتِهِ خَارِجٌ عَن المُمْكِنَاتِ وَالْمَقْدُورَاتِ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا إِذَا لمْ يَكُنْ وُجُودُهُ مُمْكِنًا حَتَّى يَقُولُوا: إِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ وَلَوْ أَرَادَهُ كَخَلْقِ المِثْلِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ وُجُودُهُ فضلًا عَن أَنْ يُتَصَوَّرُ خَوْفُهُ حَتَّى يَنْفِيَ خَوْفَهُ. ثُمَّ أَيُّ فَائِدَةٍ فِي نَفْيِ خَوْفِ هَذَا؟ وَقَدْ عُلِمَ مِن سِيَاقِ الكَلامِ أَنَّ المَقْصُودَ بَيَانُ أَنَّ هَذَا العَامِلَ لا يُجْزَى عَلَى إِحْسَانِهِ بِالظُّلْمِ وَالهَضْمِ. فَعُلِمَ أَنَّ الظُّلْمَ وَالهَضْمَ المَنْفِيَّ يَتَعَلَّقُ بِالجَزَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ، وَإِنَّ اللَّهَ لا يَجْزِيهِ إِلا بِعَمَلِهِ.