فهرس الكتاب
فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشِقِّيٌّ أَوْ سَعِيدٌ فَوَاللَّهِ الذي لا إِلَهَ غَيْرُهُ: إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ ليَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا"."
وَلمُسْلمٍ عَن حُذَيْفَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ط يَدْخُلُ المَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ليْلَةً فيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فَيُكْتُبَانِ وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ ثُمَّ تُكْتَبُ الصُّحُفُ فَلا يُزَادُ فِيهَا وَلا يُنْقَصُ"."
وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ هَذَا التَّوْقِيتُ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ليْلَةً، وَالتَّوْقِيتُ فِيهِ بَيَانُ أَنَّهَا قَبْلَ ذَلكَ لا يُتَعَرَّضُ لهَا وَلا يَتَعَلَّقُ بِهَا تَخْليقٌ وَلا كِتَابَةٌ فَإِذَا بَلَغَتِ الوَقْتَ المَحْدُودَ وَجَاوَزَتِ الأَرْبَعِينَ وَقَعَتْ فِي أَطْوَارِ التَّخْليقِ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ. وَوَقَعَ حِينَئِذٍ التَّقْدِيرُ وَالكِتَابَةُ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّ وُقُوعَ ذَلكَ بَعْدَ كَوْنِهِ مُضْغَةً بَعْدَ الأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ، وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِيهِ أَنَّ ذَلكَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ وَلَمْ يُوَقِّتِ البَعْدِيَّةَ، بَلْ أَطْلَقَهَا وَوَقَّتَهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ قَالَ أيضًا عَلَى ذَلكَ. وَيُحْتَمَلُ وجهًا آخَرَ: وَهُوَ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَالكِتَابَةَ تَقْدِيرَانِ وَكِتَابَتَانِ فَالأَوَّلُ مِنْهُمَا: عِنْدَ ابْتِدَاءِ تَعَلُّقِ التَّحْوِيلِ وَالتَّخْليقِ فِي النُّطْفَةِ وَهُوَ إِذَا مَضَى عَلَيْهَا أَرْبَعُونَ وَدَخَلَتْ فِي طَوْرِ العَلَقَةِ وَهَذَا أَوَّلُ تَخْلِيقَةٍ، وَالتَّقْدِيرُ الثَّانِي وَالكِتَابَةُ الثَّانِيَةُ إِذَا كَمُلَ تَصْوِيرُهُ وَتَخْليقُهُ وَتَقْدِيرُ أَعْضَائِهِ وَكَوْنُهُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى مِن الخَارِجِ فَيُكْتَبُ مَعَ ذَلِكَ عَمَلُهُ وَرِزْقُهُ وَأَجَلُهُ وَشَقَاوَتُهُ وَسَعَادَتُهُ فَلا تَنَافٍ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الأَوَّلُ تقديرًا لِمَا يَكُونُ للنُّطْفَةِ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ، فَيُقَدَّرُ مَعَهُ السَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةُ وَالرِّزْقُ وَالعَمَلُ، وَالتَّقْدِيرُ الثَّانِي تقديرًا لِمَا يَكُونُ للْجَنِينِ بَعْدَ تَصْوِيرِهِ فَيُقَدَّرُ مَعَهُ ذَلكَ وَيُكْتَبُ أيضًا وَهَذَا التَّقْدِيرُ أَخَصُّ مِن الأَوَّلِ. وَنَظِيرُ هَذَا: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخَلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يُقَدِّرُ ليْلَةَ القَدْرِ مَا يَكُونُ فِي العَامِ لِمِثْلِهِ.
وَهَذَا أَخَصُّ مِن التَّقْدِيرِ الأَوَّلِ العَامِّ"كُمَا أَنَّ تَقْدِيرَ أَمْرِ النُّطْفَةِ وَشَأْنِهَا يَقَعُ بَعْدَ تَعَلُّقِهَا بِالرَّحِمِ وَقَدْ قَدَّرَ أَمْرَهَا قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَنَظِيرُ هَذَا: رَفْعُ الأَعْمَالِ وَعَرْضُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ عَمَلَ العَامِ يُرْفَعُ فِي شَعْبَانَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ:"إِنَّهُ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلي وَأَنَا صَائِمٌ". وَيُعْرَضُ عَمَلُ الأُسْبُوعِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ. كَمَا ثَبَتَ ذَلكَ فِي صَحِيحِ مُسْلمٍ وَعَمَلُ اليَوْمِ يُرْفَعُ فِي آخِرِهِ قَبْلَ اللَّيْلِ. وَعَمَلُ اللَّيْلِ فِي آخِرِهِ قَبْلَ النَّهَارِ فَهَذَا الرَّفْعُ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَخَصُّ مِن الرَّفْعِ العَامِّ وَإِذَا انْقَضَى الأَجَلُ رُفِعَ عَمَلُ الْعُمْرِ كُلِّهِ وَطُوِيَتْ صَحِيفَةُ العَمَلِ."
وَفِي صَحِيحِ مُسْلمٍ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يخَلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ"وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَةَ عَن