الصفحة 177 من 204

فَلا بُدَّ مِن الأَسْبَابِ الَّتِي قَدْ عَلِمَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِن الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ وَغَيْرِهِ فَلا يَنَالُ العَبْدُ شَيْئًا إِلا بِمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ مِن جَمِيعِ الأَسْبَابِ، وَاللَّهُ خَالقُ ذَلكَ الشَّيْءِ وَخَالقُ الأَسْبَابِ؛ وَلهَذَا قِيلَ: الالْتِفَاتُ إِلَى الأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ، وَمَحْوُ الأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابَ نَقْصٍ فِي العَقْلِ، وَالإِعْرَاضُ عَن الأَسْبَابِ بِالكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ. وَمُجَرَّدُ الأَسْبَابِ لا تُوجِبُ حُصُولَ المُسَبَّبِ، بَلْ لا بُدَّ مِن تَمَامِ الشُّروطِ، وَزَوَالِ المَوَانِعِ، فَكُلُّ ذَلكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ.

وَكَذَلكَ أَمْرُ الآخِرَةِ فَلَيْسَ بِمُجَرَّدِ عَمَلِ العَبْدِ يَنَالُ الإِنْسَانُ السَّعَادَةَ بَل العَمَلُ سَبَبٌ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ"الحَدِيثَ. وَقَالَ تَعَالَى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فَهَذِهِ بَاءُ السَّبَبِ أَيْ بِسَبَبِ أَعْمَالِكُمْ، وَالذي نَفَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاءُ المُقَابَلَةِ وَالعِوَضِ كَمَا يُقَالُ اشْتَرَيْتُ هَذَا بِهَذَا. أَيْ: ليْسَ العَمَلُ عِوَضًا أَوْ ثمنًا كافيًا فِي دُخُولِ الجَنَّةِ بَلْ لا بُدَّ مَعَهُ مِن عَفْوِهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهُ وَفَضْلِهِ وَمَغْفِرَتِهِ فَمَغْفِرَتُهُ تَمْحُو السَّيِّئَاتِ وَرَحْمَتُهُ تَأْتِي بِالخَيْرَاتِ وَتُضَاعِفُ الحَسَنَاتِ.

وَهَذَا ضَلَّ فَرِيقَانِ: فَرِيقٌ أَخَذُوا بِالقَدَرِ، وَأَعْرَضُوا عَن الأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالحَةِ، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلكَ كَافٍ، وَهَؤُلاءِ يَئُولُ أَمْرُهُمْ إِلَى الكُفْرِ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. وَفَرِيقٌ أَخَذُوا يَطْلُبُونَ الجَزَاءَ مِن اللَّهِ كَمَا يَطْلُبُهُ الأَجِيرُ مِن المُسْتَأْجِرِ مُتَّكِلينَ عَلَى حَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهمْ وَعَمَلِهِمْ. وَهُمْ جُهَّالٌ ضٌلاَّلٌ فَمَنْ أَعْرَضَ عَن الأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالوَعْدِ وَالوَعِيدِ ناظرًا إِلَى القَدَرِ فَقَدْ ضَلَّ، وَمَن طَلَبَ المَقَامَ بِالأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُعرضًا عَن القَدَرِ فَقَدْ ضَلَّ. بَلْ لا بُدَّ مِن الأَمْرَيْنِ فَكُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ العَامِلُ وَلا يَكُونُ طَاعَةً وَعِبَادَةً وعملًا صالحًا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَكُلُّ عَمَلٍ لا يُعِينُ اللَّهُ العَبْدَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لا يَكُونُ وَللْعَبْدِ حَالانِ حَالٌ قَبْلَ القَدَرِ. فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاللَّهِ ويتوَكُلَّ عَلَيْهِ وَيَدْعُوهُ، وَحَالٌ بَعْدَ القَدَرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ فِي الطَّاعَةِ، وَيَصْبِرَ وَيَرْضَى فِي المُصِيبَة، ِ وَيَسْتَغْفِرَ فِي الذَّنْبِ وَفِي الطَّاعَةِ مِن النَّقْصِ، وَيَشْكُرَهُ عَلَيْهَا إِذْ هِيَ مِن نِعْمَتِهِ.

المَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ مَرْتَبَةُ الكِتَابَةِ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الخَلائِقِ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ."وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَجَمِيعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ كَائِنٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ فَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي أُمِّ الكِتَابِ."

وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلَى أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى كَتَبَ فِي أُمِّ الكِتَابِ مَا يَفْعَلُهُ وَمَا يَقُولُهُ فَكَتَبَ فِي اللَّوْحِ أَفْعَالَهُ وَكَلامَهُ.

وَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لابْنِه"يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لنْ تَجِدَ طَعْمَ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لمْ يَكُنْ ليُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لمْ يَكُنْ ليُصِيبَكَ"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ فَقَالَ اكْتُبْ قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ"يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَفِي لفْظٍ لأَحْمَدَ:"يَا بُنَيَّ إِنْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ".

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ:"إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت