الصفحة 176 من 204

وَهَؤُلاءِ أَعْمَى الخَلْقِ بَصَائِرَ وَأَجْهَلُهُمْ بِاللَّهِ وَأَحْكَامِهِ الدِّينِيَّةِ وَالكَوْنِيَّةِ فَإِنَّ الطَّاعَةَ هِيَ مُوَافَقَةُ الأَمْرِ لا مُوَافَقَةُ القَدَرِ وَالمَشِيئَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مُوَافَقَةُ القَدَرِ طَاعَةً للَّهِ لكَانَ إِبْليسُ مِن أَعْظَمِ المُطِيعِينَ للَّهِ وَكَانَ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَقَوْمُ فِرْعَوْنَ كُلُّهُمْ مُطِيعِينَ لهُ فَيَكُونُ قَدْ عَذَّبَهُمْ أَشَدَّ العَذَابِ عَلَى طَاعَتِهِ وَانْتَقَمَ مِنْهُمْ لأَجْلِهَا. وَهَذَا غَايَةُ الجَهْلِ بِاللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.

قَوْلُهُ فَالدَّرَجَةُ الأَوْلَى الإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا الخَلْقُ عَامِلُونَ بِعِلْمِهِ القَدِيمِ الذي هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ أَزَلا، ً الأَزَلُ: بِالتَّحْرِيكِ القِدَمُ يُقَالُ أَزَلِيٌّ أَيْ: قَدِيمٌ.

وَفِي اللسَانِ: وَذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الكَلمَةِ قَوْلُهُمْ للْقَدِيمِ لمْ يَزَلْ ثُمَّ نُسِبَ إِلَى هَذَا فَلَمْ يَسْتَقِمْ إِلاَّ بِالاخْتِصَارِ فَقَالُوا يَزَلِيٌّ. ثُمَّ أُبْدِلَتِ اليَاءُ ألِفًا؛ لأَنَّهَا أَخَفُّ فَقَالُوا أَزَلِيٌّ كَمَا قَالُوا فِي الرُّمْحِ المَنْسُوبِ إِلَى ذِي يَزَنَ أَزَنِيٌّ اهـ.

وَالعِلْمُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ للَّهِ لا يَخْلُو مِنْهَا. وَقَدْ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يخَلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.

وَالعِلْمُ أَعَمُّ مِن الإِرَادَةِ وَأَصْلٌ لهَا. وَالمَعْلُومُ أَعَمُّ مِن المُرَادِ فَالعِلْمُ يَتَنَاوَلُ المَوْجُودَ وَالمَعْدُومَ وَالوَاجِبَ وَالمُمْكِنَ وَالمُمْتَنِعَ وَمَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ وَمَا يَخْتَارُهُ وَمَا لا يَخْتَارُهُ.

وَأَمَّا الإِرَادَةُ فَتَخْتَصُّ بِبَعْضِ الأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ وَالخَبَرُ يُطَابِقُ العِلْمَ فَكُلُّ مَا يَعْلَمُ يُمْكِنُ الخَبَرَ بِهِ وَالإِنْشَاءُ يُطَابِقُ الإِرَادَةَ، فَإِنَّ الأَمْرَ إِمَّا مَحْبُوبٌ يُؤْمَرُ بِهِ أَوْ مَكْرُوهٌ يُنْهَى عَنْهُ. وَأَمَّا مَا ليْسَ بِمَحْبُوبٍ وَلا مَكْرُوهٍ فَلا يُؤَمَرُ بِهِ وَلا يُنْهَى عَنْهُ.

فَمَرْتَبَةُ العِلْمِ السَّابِقِ هِيَ أُولَى مَرَاتِبِ القَدَرِ"وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهَا الرُّسُلُ مِن أَوَّلِهِمْ إِلَى خَاتِمِهِمْ وَاتَّفَقَ عَلَيْهَا الصَّحَابَةُ وَمَن تَبِعَهُمْ مِن الأُمَّةِ وَخَالَفَهُمْ مَجُوسُ الأُمَّةِ."

وَكِتَابَتُهُ السَّابِقَةُ تَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ بِهَا قَبْلَ كَوْنِهَا وَقَدْ كَفَّرَ السَّلَفُ مِن الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مَن أَنْكَرَ عِلْمَ اللَّهِ القَدِيمَ. وَقَالَ ابْنُ عَمْرٍو وَالذي يَحْلفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ:"لوْ كَانَ لأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ""وَكَذَا كَلاَمُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الِله وَوَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ وَغَيْرِهمْ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الإِسْلامِ كَثِيرٌ حَتَّى قَالَ فِيهِمُ الأَئِمَّةُ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ: إِنَّ المُنْكِرِينَ لعِلْمِ اللَّهِ القَدِيمِ يَكْفُرُونَ"فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلِمَ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوا الأَعْمَالَ. وَهَذَا حَقٌّ يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ بَلْ قَدْ نَصَّ الأَئِمَّةُ كَمَالكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّ مَنْ جَحَدَ هَذَا فَقَدَ كَفَرَ بَلْ يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ.

وَفِي الصَّحِيحِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِمَ اللَّهُ أَهْلَ الجَنَّةِ مِن أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ نَعَمْ قِيلَ: فِيمَ العَمَلُ؟ قَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لهُ". وَذَلكَ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ الأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ عَلَيْهِ وَقَدْ جَعَلَ أسبابًا تَكُونُ بِهَا وَبِعِلْمٍ أَنَّهَا تَكُونُ بِتِلْكَ الأَسْبَابِ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت