الصفحة 175 من 204

وَقَدْ يَكُونُ وُقُوعُ تِلْكَ الطَّاعَةِ مِنْهُ يَتَضَمَّنُ مَفْسَدَةً هِيَ أَكْرَهُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ مِن مَحَبَّتِهِ لتِلْكَ الطَّاعَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ وُقُوعُهَا مِنْهُ مُسْتَلْزِمًا لِمَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ، ومُفَوِّتًا لمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ. وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى ذَلكَ فِي قَوْلِهِ: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} .

فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ كَرِهَ انْبِعَاثَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للْغَزْوِ وَهُوَ طَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ وَقَدْ أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَلَمَّا كَرِهَهُ مِنْهُمْ ثَبَّطَهُمْ عَنْهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ بَعْضَ المَفَاسِدِ الَّتِي كَانَتْ ستَتَرَتَّبُ عَلَى خُرُوجِهِمْ لوْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَّا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالًا} أَيْ فسادًا وشرًّا {ولأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ} أَيْ سَعَوْا فِيمَا بَيْنَكُمْ بِالفَسَادِ وَالشَّرِّ {يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أَيْ قَابِلُونِ مِنْهُمْ مُسْتَجِيبُونَ لهُمْ فَيَتَوَلَّدُ مِن بَيْنِ سَعْيِ هَؤُلاءِ بِالفَسَادِ وَقَبُولِ أُولَئِكَ مِنْهُمْ مِن الشَّرِّ مَا هُوَ أَعْظُمُ مِن مَصْلَحَةِ خُرُوجِهِمْ فَاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ وَالرَّحْمَةُ أَنْ مَنْعَهُمْ مِن الخُرُوجِ وَأَقْعَدَهُمْ عَنْهُ فَاجْعَلْ هَذَا المِثَالَ أصلًا لهَذَا البَابِ وَقِسْ عَلَيْهِ.

(فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ يُتَصَوَّرُ لي هَذَا فِي رِضَى الرَّبِّ تَعَالَى لبَعْضِ مَا يخَلُقُهُ مِن وَجْهٍ وَكَرَاهَتِهِ مِن وَجْهٍ آخَرَ. فَكَيْفَ لي بِأَنْ يَجْتَمِعَ الأَمْرَانِ فِي حَقِّي بِالنِّسْبَةِ إِلَى المَعَاصِي وَالفُسُوقِ؟ (قُلْتُ) هُوَ مُتَصَوَّرٌ مُمْكِنٌ. بَلْ وَاقِعٌ فَإِنَّ العَبْدَ يَسْخَطُ ذَلكَ وَيُبْغِضُهُ وَيَكْرَهُهُ مِن حَيْثُ هُوَ فِعْلٌ لهُ بِسَبَبِهِ وَوَاقِعٌ بِكَسْبِهِ وَإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَيَرْضَى بِعِلْمِ اللَّهِ وَكِتَابَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَإِذْنِهِ الكَوْنِيِّ فِيهِ فَيَرْضَى بِمَا مِن اللَّهِ وَيَسْخَطُ مَا هُوَ مِنْهُ. فَهَذَا مَسْلَكُ طَائِفَةٍ مِن أَهْلِ العِرْفَانِ.

وَطَائِفَةٌ أُخْرَى رَأَوْا كَرَاهَةَ ذَلكَ مُطلقًا، وَعَدَمَ الرِّضَى بِهِ مِن كُلِّ وَجْهٍ وَهَؤُلاءِ فِي الحَقِيقَةِ لا يُخَالفُونَ أُولَئِكَ فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا كَرِهَهَا مُطلقًا فَإِنَّ الكَرَاهَةَ إِنَّمَا تَقَعُ عَلَى الاعْتِبَارِ المَكْرُوهِ مِنْهَا، وَهَؤُلاءِ لمْ يَكْرَهُوا عِلْمَ الرَّبِّ وَكِتَابَتَهُ وَمَشِيئَتَهُ وَإِلْزَامَهُ حُكْمَهُ الكَوْنِيَّ، وَأُولَئِكَ لمْ يَرْضَوْا بِهَا مِن الوَجْهِ الذي سَخِطَهَا الرَّبُّ وَأَبْغَضَهَا لأَجْلِهِ.

وَسِرُّ المَسْأَلَةِ أَنَّ الذي إِلَى الرَّبِّ مِنْهَا غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَالذي إِلَى العَبْدِ مِنْهَا هُوَ المَكْرُوهُ وَالمَسْخُوطُ (فَإِنْ قَلْتَ) ليْسَ للْعَبْدِ شَيْءٌ مِنْهَا؟ (قُلْتُ) : هَذَا هُوَ الجَبْرُ البَاطِلُ الذي لا يُمَكِنُ صَاحِبُهُ التَّخَلُّصَ مِن هَذَا المَقَامِ الضَّيِّقِ وَالْقَدَرِيُّ أَقْرَبُ إِلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ مِن الْجَبْرِيِّ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ القَدَرِيَّةِ وَالجَبْرِيَّةِ هُمْ أَسْعَدُ بِالتَّخَلُّصِ مِنْهُ مِن الفَرِيقَيْنِ (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَتَأَتَّى النَّدَمُ وَالتَّوْبَةُ مَعَ شُهُودِ الحِكْمَةِ فِي التَّقْدِيرِ وَمَعَ شُهُودِ القَوْمِيَّةِ وَالمَشِيئَةِ النَّافِذَةِ؟

(قُلْتُ) هَذَا الذي أَوْقَعَ مَن عَمِيَتْ بَصِيرَتُهُ فِي شُهُودِ الأَمْرِ عَلَى خِلافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَرَأَى تِلْكَ الأَفْعَالَ طَاعَاتٍ لمُوَافَقَتِهِ فِيهَا المَشِيئَةَ وَالقَدَرَ وَقَالَ: إِنْ عَصَيْتُ أَمْرَهُ فَقَدْ أَطَعْتُ إِرَادَتَهُ فِي ذَلكَ. وَقِيلَ:

أَصْبَحْتُ مُنْفَعِلًا لِمَا تَخْتَارُهُ ... مِنِّي فَفِعْلِي كُلُّهُ طَاعَاتٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت