الصفحة 174 من 204

بِقَطْعِ مَادَّةِ الخَيْرِ عَنْهَا فَإِنَّهَا خُلِقَتْ فِي الأَصْلِ مُتَحَرِّكَةً لا تَسْكُنُ فَإِنْ أُعِينَتْ بِالعِلْمِ وَإِلْهَامِ الخَيْرِ تَحَرَّكَتْ، وَإِنْ تُرِكَتْ تَحَرَّكَتْ بِطَبْعِهَا إِلَى خِلافِهِ، وَحَرَكَتُهَا مِن حَيْثُ هِيَ حَرَكَةٌ خَيْرٌ. وَإِنَّمَا تَكُونُ شرًّا بِالإِضَافَةِ لا مِن حَيْثُ هِيَ حَرَكَةٌ. وَالشَّرُّ كُلُّهُ وَهُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَلَوْ وُضِعَ فِي مَوْضِعِهِ لمْ يَكُنْ شرًّا فَعُلِمَ أَنَّ جِهَةَ الشَّرِّ فِيهِ نِسْبَةٌ إِضَافِيَّةٌ.

وَلهَذَا كَانَتِ العُقُوبَاتُ المَوْضُوعَاتُ فِي مِحَالِّهَا خيرًا فِي نَفْسِهَا وَإِنْ كَانَتْ شرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى المَحَلِّ الذي حَلَّتْ بِهِ لِمَا أَحْدَثَتْ فِيهِ مِن الأَلَمِ الذي كَانَتِ الطَّبِيعَةُ قَابِلَةً لضِدِّهِ مِن اللَّذَّةِ مُسْتَعِدَّةً لهُ فَصَارَ ذَلكَ الأَلَمُ شرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا وَهُوَ خَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الفَاعِلِ حَيْثُ وَضَعَهُ مَوْضِعَهُ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لا يَخَلُقُ شرًّا محضًا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وَالاعْتِبَارَاتِ فَإِنَّ حِكْمَتَهُ تَأْبَى ذَلكَ بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلكَ المَخْلُوقُ شرًّا وَمَفْسَدَةً بِبَعْضِ الاعْتِبَارَاتِ، وَفِي خَلْقِهِ مَصَالحُ وَحِكَمٌ بِاعْتِبَارَاتٍ أُخَرَ أَرْجَحَ مِن اعْتِبَارَاتِ مُفَاسَدَةٍ بَل الوَاقِعُ مُنْحَصِرٌ فِي ذَلكَ فَلا يُمْكِنُ فِي جَنَابِ الحَقِّ - جَلَّ جَلالُهُ - أَنْ يُرِيدَ شَيْئًا يَكُونُ فسَادًا مِن كُلِّ وَجْهٍ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ. لا مَصْلَحَةَ فِي خَلْقِهِ بِوَجْهٍ مَا.

هَذَا مِن أَبَيَنِ المُحَالِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَالشَّرُّ ليْسَ إِلَيْهِ، بَلْ كُلُّ مَا إِلَيْهِ فَخَيْرٌ، وَالشَّرُّ إِنَّمَا حَصَلَ لِعَدَمِ هَذِهِ الإِضَافَةِ وَالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. فَلَوْ كَانَ إِلَيْهِ لمْ يَكُنْ شرًّا فَتَأَمَّلْهُ. فَانْقِطَاعُ نَسَبْتِهِ إِلَيْهِ هُوَ الذي صَيَّرَهُ شرًّا (فَإِنْ قُلْتَ) لمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ خلقًا وَمَشِيئَةً؟ قُلْتُ: هُوَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ ليْسَ بَشَرٍّ فَإِنَّ وُجُودَهُ هُوَ المَنْسُوبُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ ليْسَ بَشَرٍّ وَالشَّرُّ الذي فِيهِ مِن عَدَمِ إِمْدَادِهِ بِالخَيْرِ وَأَسْبَابِهِ، وَالعَدَمُ ليْسَ بِشَيْءٍ يُنْسَبُ إِلَى مَن بِيَدِهِ الخَيْرُ.

فَإِنْ أَرَدْتَ مَزِيدَ إِيضَاحٍ لذَلكَ فَاعْلَمْ أَنَّ أَسْبَابَ الخَيْرِ ثَلاثَةٌ: الإِيجَادُ وَالإِعْدَادُ وَالإِمْدَادُ فَهَذِهِ هِيَ الخَيْرَاتُ وَأَسْبَابُهَا فَإِيجَادُ السَّبَبِ خَيْرٌ وَهُوَ إِلَى اللَّهِ، وَإِعْدَادُهُ خَيْرٌ وَهُوَ إِلَيْهِ أيضًا. وَإِمْدَادُهُ خَيْرٌ وَهُوَ إِلَيْهِ أيضًا فَإِذَا لم يَحْدُثْ فِيهِ إِعْدَادٌ وَلا إِمْدَادٌ حَصَلَ فِيهِ الشَّرُّ بِسَبَبِ هَذَا العَدَمِ الذي ليْسَ إِلَى الفَاعِلِ وَإِنَّمَا إِلَيْهِ ضِدَّهُ. فَإِنْ قُلْتَ فَهَلاَّ أَمَدَّهُ إِذْ أَوْجَدَهُ؟ (قُلْتُ) مَا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إِيجَادَهُ وَإِمْدَادَهُ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُوجِدُهُ وَيَمُدُّهُ، وَمَا اقْتَضَتْ إِيجَادَهُ وَتَرْكَ إِمْدَادَهُ أَوْجَدَهُ بِحِكْمَتِهِ وَلَمْ يَمُدَّهُ بِحِكْمَتِهِ فَإِيجَادُهُ خَيْرٌ، وَالشَّرُّ وَقَعَ مِن عَدَمِ إِمْدَادِهِ.

(فَإِنْ قُلْتَ) فَهَلاَّ أَمَدَّ المَوْجُودَاتِ كُلَّهَا؟ (قُلْتُ) فَهَذَا سُؤَالٌ فَاسِدٌ يَظُنُّ مُورِدُهُ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المَوْجُودَاتِ أَبْلَغُ فِي الحِكْمَةِ. وَهَذَا عَيْنُ الجَهْلِ بَل الحِكْمَةُ كُلَّ الحِكْمَةِ فِي هَذَا التَّفَاوُتُ العَظِيمُ الوَاقِعُ بَيْنَهَا وَلَيْسَ فِي خَلْقِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا تَفَاوُتٌ، وَالتَّفَاوُتُ إِنَّمَا وَقَعَ بِأُمُورٍ عَدَمِيَّةٍ لمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا الخَلْقُ. وَإِلاَّ فَلَيْسَ فِي الخَلْقِ مِن تَفَاوُتٍ.

وَسِرُّ المَسْأَلَةِ أَنَّ الرِّضَى بِاللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الرِّضَى بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَأَحْكَامِهِ وَلا يَسْتَلْزِمُ الرِّضَى بِمَفْعُولاتِهِ كُلِّهَا بَلْ حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ أَنْ يُوَافِقَهُ عَبْدُهُ فِي رِضَاهُ وَسُخَطِهِ فَيَرْضَى مِنْهَا بِمَا يَرْضَى بِهِ وَيَسْخَطُ مِنْهَا مَا سَخِطَهُ (فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ يَرْضَى لعَبْدِهِ شَيْئًا وَلا يُعِينُهُ عَلَيْهِ؟(قُلْتُ) : لأَنَّ إِعَانَتَهُ عَلَيْهِ قَدْ تَسْتَلْزِمُ فَوَاتَ مَحْبُوبٍ لهُ أَعْظَمُ مِن حُصُولِ تِلْكَ الطَّاعَةِ الَّتِي رَضِيَهَا لهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت