الصفحة 173 من 204

فِعْلِهِ القَائِمِ بِهِ تَعَالَى، وَنَحْنُ لا نُنْكِرُ أَنَّ الشَّرَّ يَكُونُ فِي مَفْعُولاتِهِ المُنْفَصِلَةِ، فَإِنَّهُ خَالِقُ الخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَلَكِنْ هُنَا أَمْرَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا مِنْكَ عَلَى بَالٍ.

(أَحَدُهُمَا) : أَنَّ مَا هُوَ شَرٌّ أَوْ مُتَضَمِّنٌ للشَّرِّ فَإِنَّهُ لا يَكُونُ إِلا مفعولًا منفصلًا لا يَكُونُ وصفًا لهُ، وَلا فعلًا مِن أَفْعَالِهِ.

(الثَّانِي) : أَنَّ كَوْنَهُ شرًّا هُوَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ إِضَافِيٌّ، فَهُوَ خَيْرٌ مِن جِهَةِ تَعَلُّقِ فِعْلِ الرَّبِّ وَتَكْوِينِهِ بِهِ، وَشَرٌّ مِن جِهَةِ نِسْبَتِهِ إِلَى مَن هُوَ شَرٌّ فِي حَقِّهِ فَلَهُ وَجْهَانِ هُوَ مِن أَحَدِهِمَا خَيْرٌ وَهُوَ الوَجْهُ الذي نُسِبَ مِنْهُ إِلَى الخَالقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلْقًا وتكوينًا وَمَشِيئَتَهُ لِمَا فِيهِ مِن الحِكْمَةِ البَالغَةِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا وَأَطْلَعَ مَن شَاءَ مِن خَلْقِهِ عَلَى مَا شَاءَ مِنْهَا، فَقَدْ عَرِفْتَ أَنَّ كَوْنَهُ شرًّا هُوَ أَمْرٌ إِضَافِيٌّ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ خَيْرٌ مِن جِهَةِ نِسْبَتِهِ إِلَى خَالقِهِ وَمُبْدِعِهِ.

فَالقَدَرُ لا شَرَّ فِيهِ بِوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ فَإِنَّهُ عِلْمُ اللَّهِ وَقُدْرَتُهُ وَكِتَابَتُهُ وَمَشِيئَتُهُ وَذَلكَ خَيْرٌ مَحْضٌ وَكَمَالٌ مِن كُلِّ وَجْهٍ فَالشَّرُّ ليْسَ إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى بِوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ لا فِي ذَاتِهِ وَلا فِي أَسْمَائِهِ وَلا فِي صِفَاتِهِ وَلا فِي أَفْعَالهِ. وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الشَّرُّ الجُزْئِيُّ الإِضَافِيُّ فِي المَقْضِيِّ المُقَدَّرِ وَيَكُونُ شرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَحَلٍّ وخيرًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ، وَقَدْ يَكُونُ خيرًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى المَحَلِّ القَائِمِ بِهِ مِن وَجْهٍ كَمَا هُوَ شَرٌّ لهُ مِن وَجْهٍ بَلْ هَذَا هُوَ الغَالبُ وَهَذَا كَالقَصَّاصِ وَإِقَامَةِ الحُدُودِ وَقَتْلِ الكُفَّارِ فَإِنَّهُ شَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ لا مِن كُلِّ وَجْهٍ بَلْ مِن وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَخَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ لِمَا فِيهِ مِن مَصْلَحَةِ الزَّجْرِ وَالنَّكَالِ وَدَفْعِ النَّاسِ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وَكَذَلكَ الآلامَ وَالأَمْرَاضُ وَإِنْ كَانَتْ شرورًا مِن وَجْهٍ فَهِيَ خَيْرَاتٌ مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ فَالخَيْرُ وَالشَّرُّ مِن جِنْسِ اللَّذَّةِ وَالأَلَمِ وَالنَّفْعِ وَالضَّرَرِ وَذَلكَ فِي المَقْضِيِّ المُقَدَّرِ لا فِي نَفْسِ صِفَةِ الرَّبِّ وَفِعْلِهِ القَائِمِ بِهِ، فَإِنَّ قَطْعَ يَدِ السَّارِقِ شَرٌّ مُؤْلِمٌ ضَارٌّ لهُ وَأَمَّا قَضَاءُ الرَّبِّ ذَلكَ وَتَقْدِيرُهُ عَلَيْهِ فَعَدْلٌ وَخَيْرٌ وَحِكْمَةٌ وَمَصْلَحَةٌ (فَإِنْ قِيلَ) فَمَا الفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِ القَدَرِ خيرًا وشرًّا وَكَوْنِهِ حُلوًا ومرًّا؟

(قِيلَ) الحَلاوَةُ وَالمَرَارَةُ تَعُودُ إِلَى مُبَاشَرَةِ الأَسْبَابِ فِي العَاجِلِ، وَالخَيْرُ وَالشَّرُّ يَرْجِعُ إِلَى حُسْنِ العَاقِبَةِ وَسُوئِهَا فَهُوَ حُلْوٌ وَمُرٌّ فِي مَبْدَئِهِ وَأَوَّلِهِ، وَخَيْرٌ وَشَرٌّ فِي مُنْتَهَاهُ وَعَاقِبَتِهِ. وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ سَنَّتَهُ وَعَادَتَهُ أَنَّ حَلاوَةَ الأَسْبَابِ فِي العَاجِلِ تَعَقُّبُ المَرَارَةِ فِي الآجِلِ وَمَرَارَتُهَا تَعَقُّبُ الحَلاوَةِ فَحُلْوُ الدُّنْيَا مُرُّ الآخِرَةِ، وَمُرُّ الدُّنْيَا حُلْوُ الآخِرَةِ. وَقَدْ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ جَعَلَ اللَّذَّاتِ تُثْمِرُ الآلامَ وَالآلامُ تُثْمِرُ اللَّذَّاتِ، وَالقَضَاءُ وَالقَدَرُ مُنْتَظِمٌ لذَلكَ انتظامًا لا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ البَتَّةَ، وَالشَّرُّ مَرْجِعُهُ إِلَى اللَّذَّاتِ وَأَسْبَابِهَا، وَالخَيْرُ المَطْلُوبُ هُوَ اللَّذَّاتُ الدَّائِمَةُ وَالشَّرُّ المَرْهُوبُ هُوَ الآلامُ الدَّائِمَةُ فَأَسْبَابُ هَذِهِ الشَّرورِ وَإِنْ اشْتَمَلَتْ عَلَى لذَّةٍ مَا.

وَأَسْبَابُ تِلْكَ الخَيِّرَاتِ وَإِنْ اشْتَمَلَتْ عَلَى أَلَمٍ مَا. فَأَلَمٌ يَعْقِبُ اللَّذَّةَ الدَّائِمَةَ أَوْلَى بِالإِيثَارِ وَالتَّحَمُّلِ مِن لذَّةٍ تَعْقُبُ الأَلَمَ الدَّائِمَ، فَلَذَّة سَاعَةٍ فِي جَنْبِ أَلَمٍ طَوِيلٍ كَلا لذَّةَ، وَأَلَمُ سَاعَةٍ فِي جَنْبِ لذَّةٍ طَوِيلَةٍ كَلا أَلَمَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ يَرْجِعُ إِلَى العَدَمِ - أَعْنِي عَدَمَ الخَيْرِ وَأَسْبَابِهِ المُفْضِيَةِ إِلَيْهِ - وَهُوَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ شَرٌّ. وَأَمَّا مِن جِهَةِ وُجُودِهِ المَحْضِ فَلا شَرَّ فِيهِ. مِثَالُهُ: إِنَّ النُّفُوسَ الشِّرِّيرَةَ وُجُودُهَا خَيْرٌ مِن حَيْثُ هِيَ مَوْجُودَةٌ. وَإِنَّمَا حَصَلَ لهَا الشَّرُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت