فهرس الكتاب
(وَالثَّانِي) مَن يُنْكِرُ قَضَاءَهُ وَقَدْرَهُ السَّابِقُ، وَالطَّائِفَتَانِ خُصَمَاءُ للَّهِ. قَالَ عَوْفٌ: مَن كَذَّبَ بِالقَدَرِ فَقَدْ كَذَّبَ بِالإِسْلامِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَّرَ أقدارًا وَخَلَقَ الخَلْقَ بِقَدَرٍ وَقَسَمَ الآجَالَ بِقَدَرٍ وَقَسَمَ الأَرْزَاقَ بِقَدَرٍ وَقَسَمَ البَلاءَ بِقَدَرٍ، وَقَسَمَ العَافِيَةَ بِقَدَرٍ وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: القَدَرُ قُدْرَةُ اللَّهِ. وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ عَقِيلٍ هَذَا الكَلامَ جدًّا وَقَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى دِقَّةِ عِلْمِ أَحْمَدَ وَتَبَحُّرِهِ فِي مَعْرِفَةِ أُصُولِ الدِّينِ وَهُوَ كَمَا قَالَ أَبُو الوَفَاءِ: فَإِنَّ إِنْكَارَ القَدَرِ إِنْكَارٌ لقُدْرَةِ الرَّبِّ عَلَى خَلْقِ أَعْمَالِ العِبَادِ وَكِتَابَتِهَا وَتَقْدِيرِهَا، وَسَلَفُ القَدَرِيَّةِ كَانُوا يُنْكِرُونَ عِلْمَهُ بِهَا وَهُمُ الذينَ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى تَفْكِيرِهِمْ.
وَفِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاءُ} قَالَ: الذين يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَقَوْلُهُ: خَيْرِهِ وَشَرِّهِ"فَهُوَ تَعَالَى الخَالِقُ لكُلِّ شَيْءٍ وَمَا يَقَعُ فِي الكَوْنِ فَهُوَ بِمَشِيئَتِهِ وَإِنْ كَانَ لا يُحِبُّهُ وَلا يَرَضاهُ"فَإِنَّهُ خَلَقَ الخَيْرَ وَالشَّرَّ لِمَا لهُ فِي ذَلكَ مِن الحِكْمَةِ الَّتِي بِاعْتِبَارِهَا كَانَ فِعْلُه حسنًا مُتْقَنًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ} وَقَالَ: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} فَلهَذَا لا يُضَافُ إِلَيْهِ الشَّرُّ مُفْرَدًا، بَلْ إِمَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي العُمُومِ، وَإِمَّا أَنْ يُضَافَ إِلَى السَّبَبِ، وَإِمَّا أَنْ يُحْذَفَ فَاعِلُهُ.
فَالأَوَّلُ: كَقَوْلهِ تَعَالَى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} .
وَالثَّانِي: كَقَوْلهِ: {قُلْ أَعُوَذُ بِرَبِّ الفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} .
والثالثُ: كقولِه فِيمَا حَكَاهُ عَن الجِنِّ: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} . وَقَدْ قَالَ فِي أُمِّ القُرْآنِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} فَذَكَرَ أَنَّهُ فَاعِلُ النِّعْمَةِ وَحَذَفَ فَاعِلَ الغَضَبِ وَأَضَافَ الضَّلالَ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ الخَليلُ: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} وَلهَذَا كَانَ للَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَسَمَّى نَفْسَهُ بِالأَسْمَاءِ الحُسْنَى المُقْتَضِيَةِ للْخَيْرِ، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ الشَّرُّ فِي المَفْعُولاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وَقَوْلِهِ: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ} وَهَذَا لأَنَّ مَا يخَلُقُه مِن الأُمُورِ الَّتِي فِيهَا شَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ النَّاسِ لهُ فِيهَا حِكْمَةٌ هُوَ بِخَلْقِهِ لهَا حَمِيدٌ مَجِيدٌ لهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمْدُ. فَلَيْسَتِ الإِضَافَةُ إِلَيْهِ شرًا وَلا مَذْمُومَةً فَلا يُضَافُ إِلَيْهِ مَا يُشْعِرُ بِنَقِيضِ ذَلكَ"فَإِنَّ الشَّرَّ لا يَدْخُلُ فِي شَيْءٍ مِن صِفَاتِهِ وَلا فِي أَفْعَالهِ كَمَا لا يَلْحَقُ ذَاتَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَإِنَّ ذَاتَهُ لهَا الكَمَالُ المُطْلَقُ الذي لا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ، وَأَوْصَافُهُ كَذَلكَ لهَا الكَمَالُ المُطْلَقُ وَالجَلالُ التَّامُّ وَلا عَيْبَ فِيهَا وَلا نَقْصَ بِوَجْهٍ مَا."
وَكَذَلكَ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا خَيْرَاتٌ مَحْضَةٌ لا شَرَّ فِيهَا أصلًا. وَلَوْ فَعَلَ الشَّرَّ سُبْحَانَهُ لاشْتُقَّ لهُ مِنْهُ اسْمٌ وَلَمْ تَكُنْ أَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا حُسْنَى وَلعَادَ إِلَيْهِ مِنْهُ حُكْمٌ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَن ذَلكَ. وَمَا يَفْعَلُهُ مِن العَدْلِ بِعِبَادِهِ وَعُقُوبَةِ مَن يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ مِنْهُمْ هُوَ خَيْرٌ مَحْضٌ إِذْ هُوَ مَحْضُ العَدْلِ وَالحِكْمَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ شرًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ فَالشَّرُّ وَقَعَ فِي تَعَلُّقِهِ بِهِمْ وَقِيَامِهِ بِهِمْ لا فِي