فهرس الكتاب
فَهَذَا القَدْرُ قَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ غُلاةُ القَدَرِيَّةِ قديمًا، وَمُنْكِرُوهُ اليَوْمَ قَليلٌ.
وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ مَشِيئَةُ اللَّهِ النَّافِذَةُ، وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ، وَهُوَ: الإِيمَانُ بِأَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لمْ يَشَأْ لمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن حَرَكَةٍ وَلا سُكُونٍ إِلاَّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، لا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لا يُرِيدُ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِنَ المُوْجودَاتِ والمَعْدوماتِ، فَمَا مِن مَخْلُوقٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ إِلا اللَّهُ خَالِقُهُ سُبْحَانَهُ، لا خَالقَ غَيْرُهُ، وَلا رَبَّ سِوَاهُ.
وَمَعَ ذَلكَ فَقَدْ أَمَرَ العِبَادَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَنَهَاهُمْ عَن مَعْصِيَتِهِ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ المُتَّقِينَ وَالمُحْسِنِينَ وَالمُقْسِطِينَ، وَيَرْضَى عَنِ الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحَاتِ، وَلا يُحِبُّ الكَافِرِينَ، وَلا يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقِينَ، وَلا يَأْمُرُ بِالفَحْشَاءِ، وَلا يَرْضَى لعِبَادِهِ الكُفْرَ، وَلا يُحِبُّ الفَسَادَ.
وَالعِبَادُ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً، وَاللَّهُ [خَاَلِقُ] أَفْعَالَهُمْ.
وَالعَبْدُ هُوَ: المُؤِمنُ، وَالكَافِرُ، وَالبَرُّ، وَالفَاجِرُ، وَالمُصَلِّي، وَالصَّائِمُ.
وَللْعِبَادِ قُدْرَةٌ عَلَى أَعْمَالهِمْ، [وَلَهُمْ إِرَادَةٌ، وَاللَّهُ خَالِقُهُمْ وخَالِقُ قُدْرَتَهُمْ وَإِرَادَتَهُمْ] .
وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ القَدَرِ يُكَذِّبُ بِهَا عَامَّةُ القَدَرِيَّةِ الذين سَمَّاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَيَغْلُو فِيهَا قَوْمٌ مِن أَهْلِ الإِثْبَاتِ، حَتَّى سَلَبُوا العَبْدَ قُدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ، وَيُخْرِجُونَ عَن أَفْعَالِ اللَّهِ وَأَحْكَامِهِ حُكْمَهَا وَمَصَالحَهَا.
ذَكَرَ المُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا المَبْحَثِ الرُّكْنَ السَّادِسَ مِن أَرْكَانِ الإِيمَانِ وَهُوَ الإِيمَانُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَذَكَرَ أَنَّ ذَلكَ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ:
الأُولَى: عِلْمُ اللَّهِ القَدِيمُ وَأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَعْمَالَ العِبَادِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوهَا.
الثَّانِيَةُ: كِتَابَةُ ذَلكَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
الثَّالِثَةُ: مَشِيئَةُ اللَّهِ العَامَّةُ وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ.
الرَّابِعَةُ: إِيجَادُ اللَّهِ لِكُلِّ المَخْلُوقَاتِ وأنَّهُ الخَالقُ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَهُوَ القَوْلُ الحَقُّ الذي يَدُلُّ عَلَيْهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لهُمْ بِإِحْسَانٍ خلافًا للْقَدَرِيَّةِ النُّفَاةِ وَالمُجَبِّرَةِ وَنَحْوِهِمْ.
"وَالمُخَاصِمُونَ فِي القَدَرِ نَوْعَانِ:"
(أَحَدُهُمَا) مَن يُبْطِلُ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِه كَالذينَ قَالُوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا} .