الصفحة 170 من 204

(الخَامِسُ) شَفَاعَتُهُ لقَوْمٍ مِن أَهْلِ الجَنَّةِ فِي رَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ وَزِيَادَةِ ثَوَابِهِمْ. وَهَذِهِ مِمَّا لا يُنَازِعُ فِيهَا أَحَدٌ، وَكُلُّهَا مُخْتَصَّةٌ بِأَهْلِ الإِخْلاصِ الذين لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وليًّا وَلا شفيعًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ليْسَ لهُمْ مِنْ دُونِهِ وَليٌّ وَلا شَفِيعٌ} .

(السَّادِسُ) شَفَاعَتُهُ فِي بَعْضِ الكُفَّارِ مِن أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يُخَفَّفَ عَذَابُهُ. وَهَذِهِ خَاصَّةٌ بِأَبِي طَالبٍ وَحْدَهُ.

"قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَنْكَرَتِ المُعْتَزِلَةُ وَالخَوَارِجُ الشَّفَاعَةَ فِي إِخْرَاجِ مَن أُدْخِلَ النَّارَ مِن المُؤْمِنِينَ وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلهِ: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} وَغَيْرِ ذَلكَ مِن الآيَاتِ. وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَنَّهَا فِي الكُفَّارِ. وَجَاءَتِ الأَحَادِيثُ فِي إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مُتَوَاتِرَةً وَدَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُه تَعَالَى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِهِ الشَّفَاعَةُ"ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ فِي الشَّفَاعَةِ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: فَالمُشْرِكُونَ وَالنَّصَارَى وَالمُبْتَدِعُونَ مِن الغُلاةِ فِي المَشَايِخِ وَغَيْرِهِمْ يَجْعَلُونَ شَفَاعَةَ مَن يُعَظِّمُونَهُ عِنْدَ اللَّهِ كَالشَّفَاعَةِ المَعْرُوفَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالمُعْتَزِلَةُ وَالخَوَارِجُ أَنْكَرُوا شَفَاعَةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ فِي أَهْلِ الكَبائِرِ.

وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فَيُقِرُّونَ بِشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ الكَبَائِرِ وَشَفَاعَةِ غَيْرِهِ، لكِنْ لا يَشْفَعُ أَحَدٌ حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ لهُ وَيَحُدَّ لهُ حَدًّا كَمَا فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ:"فَيَحُدُّ لي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ".

* الإيمان بالقدر *

وَتُؤْمِنُ الفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.

وَالإِيمَانُ بِالقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَيْنِ، كُلُّ دَرَجَةٍ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ:

فَالدَّرَجَةُ الأَوْلَى: الإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ مَا الخَلْقُ عَامِلُونَ بِعِلْمِهِ القَدِيمِ الذي هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ أَزَلًا، وَعَلِمَ جَمِيعَ أَحْوَالهِمْ مِن الطَّاعَاتِ وَالمَعَاصِي وَالأَرْزَاقِ وَالآجَالِ، ثُمَّ كَتَبَ اللَّهُ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَقَادِيرَ الخَلْقِ.

فَأَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ قَالَ لهُ: اكْتُبْ. قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.

فَمَا أَصَابَ الإِنْسَانَ لمْ يَكُنْ ليُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لمْ يَكُنْ ليُصِيبَهُ، جَفَّتِ الأْقلامُ، وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} وَقَالَ: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} .وَهَذَا التَّقْدِيرُ التَّابِعُ لعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ يَكُونُ فِي مَوَاضِعَ جُمْلَةً وتَفْصيلًا: فَقَدْ كَتَبَ اللهُ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَا شَاءَ، وَإِذَا خَلَقَ جَسَدَ الجَنِينِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ بَعَثَ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بأَرْبِعِ كَلمَاتٍ، فَيُقَالُ لهُ: اكْتُبْ رِزْقَةُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، وَنَحْوَ ذَلكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت