فهرس الكتاب
الحَدِيثَ: وَلهَذَا كَانَ أَكْثَرُ أَهْلِ الحَدِيثِ إِنَّمَا يَرْوُونَهُ بِلَفْظِ القَبْلِ كَالحُمَيْدِيِّ وَالبَغَوِيِّ وَابْنِ الأَثِيرِ وَغَيْرِهمْ وَإِذَا كَانَ كَذَلكَ لمْ يَكُنْ فِي هَذَا اللَّفْظِ تَعْرُّضٌ لابْتِدَاءِ الحَوَادِثِ وَلا لأَوَّلِ مَخْلُوقٍ.
(وأيضًا) فَإِنَّهُ قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ أَوْ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ. فَأَخْبَرَ عَن هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِالوَاوِ"وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ"رُوِيَ بِالوَاوِ وَبِثُمَّ فَظَهَرَ أَنَّ مَقْصُودَهُ إِخْبَارُهُ إِيَّاهُمْ بِبَدْءِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا - وَهِيَ المَخْلُوقَاتُ الَّتِي خُلِقَتْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ لا ابْتِدَاءَ خَلْقِ مَا خَلَقَهُ قَبْلَ ذَلكَ - وَذَكَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى خَلْقِهِمَا، وَذَكَرَ مَا قَبْلَهُمَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ وَوُجُودِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لابْتِدَاءِ خَلْقِهِ.
(وأيضًا) فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الحَدِيثُ قَدْ وَرَدَ بِهَذَا وَهَذَا فَلا يَجْزِمُ بِأَحَدِهِمَا إِلا بِدَليلٍ فَإِذَا رَجَحَ أَحَدُهُمَا فَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الرَّسُولَ أَرَادَ المَعْنَى الآخَرَ فَهُوَ مُخْطِئٌ قطعًا. وَلَمْ يَأْتِ فِي الكِتَابِ وَلا فِي السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى المَعْنَى الآخَرِ فَلا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ مَعْنَى الحَدِيثِ وَلَمْ يَرِدْ كَانَ اللَّهُ وَلا شَيْءَ مَعَهُ مُجَرَّدًا وَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى السِّيَاقِ المَذْكُورِ وَلا يُظَنُّ أَنَّ مَعْنَاهُ: الإِخْبَارُ بِتَعْطِيلِ الرَّبِّ تَعَالَى دائمًا عَن الفِعْلِ حَتَّى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ.
(وأيضًا) فَقَوْلُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ أَوْ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ"لا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ المَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى مَوْجُودٌ وَحْدَهُ لا مَخْلُوقَ مَعَهُ أصلًا لأَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ يَرُدُّ ذَلكَ فَإِنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ وَهِيَ"وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ"إِمَّا حَاليَّةٌ أَوْ مَعْطُوفَةٌ وَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مَوْجُودٌ فِي ذَلكَ الوَقْتِ فَعُلِمَ أَنَّ المُرَادَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن العَالَمِ المَشْهُودِ.
المَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: مَرْتَبَةُ المَشِيئَةِ وَهِيَ إِثْبَاتُ مَشِيئَةِ اللَّهِ النَّافِذَةِ وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ. وَالنَّافِذَةُ المَاضِيَةُ الَّتِي لا رَادَّ لهَا مِن نَفَذَ السَّهْمُ نُفُوذًا وَنَفَاذًا خَرَقَ الرَّمِيَّةَ وَخَرَجَ مِنْهَا وَنَفَذَ الأَمْرُ مَضَى وَأَمْرُهُ نَافِذٌ أَيْ مُطَاوِعٌ وَنَفَذَ العِتْقُ مَضَى وَكَأَنَّهُ مُسْتَعَارٌ مِن نُفُوذِ السَّهْمِ فَإِنَّهُ لا مُرَادَ لهُ إِلخْ. أَفَادَهُ المِصْبَاحُ.
وَهَذِهِ المَرْتَبَةُ مِن مَرَاتِبِ القَدَرِ"قَدْ دَلَّ عَلَيْهَا إِجْمَاعُ الرُّسُلِ مِن أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ وَجَمِيعُ الكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وَالفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا خَلْقَهُ، وَأَدِلَّةُ العُقُولِ وَالعِيَانِ وَلَيْسَ فِي الوُجُودِ مُوجِبٌ وَمُقْتَضٍ إِلا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لمْ يَشَأْ لمْ يَكُنْ."
هَذَا عُمُومُ التَّوْحِيدِ الذي لا يَقُومُ إِلا بِهِ، وَالمُسْلمُونَ مِن أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لمْ يَشَأْ لمْ يَكُنْ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلكَ مَن ليْسَ مِنْهُمْ فِي هَذَا المَوْضِعِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ فِي الوُجُودِ مَا لا يَشَاءُ اللَّهُ وَأَنْ يَشَاءَ مَا لا يَكُونُ.