فهرس الكتاب
المَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: مَرْتَبَةُ الخَلْقِ وَالإِيجَادِ فَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مُوجَدٌ مِن العَدَمِ كَائِنٌ بَعْدَ إِنْ لمْ يَكُنْ. وَالعِبَادُ وَأَعْمَالُهُمْ مَخْلُوقُونَ مَرْبُوبُونَ. فَهَذِهِ المَرْتَبَةُ مِن مَرَاتِبِ القَدَرِ وَهِيَ مَرْتَبَةُ خَلْقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ الأَعْمَالَ وَتَكْوِينِهِ وَإِيجَادِهِ لِهَا. وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الرُّسُلِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ.
وَعَلَيْهِ اتَّفَقَتِ الكُتُبُ الإِلَهِيَّةُ وَالفِطَرُ وَالعُقُولُ وَالاعْتِبَارُ، وَخَالَفَ فِي ذَلكَ مَجُوسُ الأُمَّةِ فَأَخْرَجَتْ طَاعَاتِ مَلائِكَتِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ وَهِيَ أَشْرَفُ مَا فِي العَالَمِ عَن رُبُوبِيَّتِهِ وَتَكْوِينِهِ وَمَشِيئَتِهِ بَلْ جَعَلُوهُمْ هُمُ الخَالقِينَ لهَا وَلا تَعَلُّقَ لهَا بِمَشِيئَتِهِ وَلا تَدْخُّلَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ.
وَكَذَلكَ قَالُوا فِي جَمِيعِ أَفْعَالِ الحَيَوَانَاتِ الاخْتِيَارِيَّةِ فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لا يَقْدِرُ أَنْ يَهْدِي ضالًا وَلا يُضِلَّ مُهتديًا وَلا يَقْدِرُ أَنْ يَجْعَلَ المُسْلِمَ مُسلمًا وَالكَافِرَ كافرًا وَالمُصَلِّي مُصليًا وَإِنَّمَا ذَلكَ يَجْعَلُهُمْ أَنْفُسَهُمْ كَذَلكَ لا يَجْعَلُهُ تَعَالَى.
وَقَدْ نَادَى القُرْآنُ بَل الكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ كُلُّهَا وَالسُّنَّةُ وَأَدِلَّةُ التَّوْحِيدِ وَالعُقُولُ عَلَى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ وَصَاحَ بِهِمْ أَهْلُ العِلْمِ وَالإِيمَانِ مِن أَقْطَارِ الأَرْضِ وَصَنَعُوا التَّصَانِيفَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَزَلِ السَّلَفُ وَأَئِمَّةُ السُّنَّةِ يَرُدُّونَ بَاطِلَهُمْ بِالحَقِّ المَحْضِ إِلَى أَنْ نَبَغَتْ نَابِغَة رَدُّوا بِدْعَتَهُمْ بِبِدْعَةٍ تُقَابِلُهَا، وَقَابَلُوا بَاطِلَهُمْ بِبَاطِلٍ مِن جِنْسِهِ.
وَقَالُوا: العَبْدُ مَجْبُورٌ عَلَى أَفْعَالِهِ مَقْهُورٌ عَلَيْهَا لا تَأْثِيرَ لهُ فِي وُجُودِهَا البَتَّةَ وَلا هِيَ وَاقِعَةٌ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَغَلا غُلاَتُهمْ فَقَالُوا: بَلْ هِيَ عَيْنُ أَفْعَالِ اللَّهِ وَلا يُنْسَبُ إِلَى العَبْدِ إِلا عَلَى المَجَازِ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَلُومُ العَبْدَ وَيُعَاقِبُهُ وَيُخَلِّدُهُ فِي النَّارِ عَلَى مَا لمْ يَكُنْ للْعَبْدِ فِيهِ صُنْعٌ وَلا هُوَ فِعْلُهُ. بَلْ هُوَ مَحْضُ فِعْلِ اللَّهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الجَبْرِيَّةِ وَهُوَ إِنْ لمْ يَكُنْ شرًّا مِن قَوْلِ القَدَرِيَّةِ فَلَيْسَ هُوَ بِدُونِهِ فِي البُطْلانِ.
وَإِجْمَاعُ الرُّسُلِ وَاتِّفَاقُ الكُتُبِ الإِلَهِيَّةِ، وَأَدِلَّةُ العُقُولِ وَالفِطَرِ وَالعِيَانِ يُكَذِّبُ هَذَا القَوْلَ وَيَرُدُّهُ وَالطَّائِفَتَانِ فِي عَمًى عَن الحَقِّ.
وَكُلُّ دَليلٍ صَحِيحٍ للْجَبْرِيَّةِ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ قُدْرَةِ الرَّبِّ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ، وَإِنَّهُ لا خَالقَ غَيْرُهُ، وَإِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يُسْتَثْنَى مِن هَذَا العُمُومِ فَرْدٌ مِن أَفْرَادِ المُمْكَنَاتِ. وَهَذَا حَقٌّ. وَلَيْسَ مَعَهُمْ دَليلٌ صَحِيحٌ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ العَبْدُ قادرًا مُريدًا فاعلًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَإِنَّهُ هُوَ الفَاعِلُ حَقِيقَةً، وَأَفْعَالُهُ قأئِمَّةٌ بِهِ وَأَنَّهَا فِعْلٌ لهُ، لا للَّهِ، وَأَنَّهَا قأئِمَّةٌ بِهِ لا بِاللَّهِ.
وَكُلُّ دَليلٍ صَحِيحٍ يُقِيَمُهُ القَدَرِيَّةُ فَإِنَّمَا يَدُلُّ أَنَّ أَفْعَالَ العِبَادِ فَعْلٌ لهُمْ قَائِمٌ بِهِمْ وَوَاقِعٌ بِقُدْرَتِهِمْ وَمَشِيئَتِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ مُخْتَارُونَ لهَا غَيْرُ مُضْطَرِّينَ وَلا مَجْبُورِينَ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ دَليلٌ صَحِيحٌ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَادِرًا عَلَى أَفْعَالِهِمْ وَهُوَ الذي جَعَلَهُمْ فَاعِلينَ.