الصفحة 184 من 204

فَأَدِلَّةُ الجَبْرِيَّةِ مُتَضَافِرَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى مَن نَفَى قُدْرَةَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِن الأَعْيَانِ وَالأَفْعَالِ وَنَفَى عُمُومَ وَمَشِيئَتِهِ وَخَلْقِهِ. وَأَدِلَّةُ القَدَرِيَّةِ مُتَضَافِرَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى مَن نَفَى فِعْلَ العَبْدِ وَقُدْرَتَهُ وَمَشِيئَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ وَقَالَ: إِنَّهُ ليْسَ بِفَاعِلٍ شَيْئًا يُعَاقِبُهُ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ وَلا لهُ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ.

وَأَهْلُ السُّنَّةِ أَسْعَدُ بِالحَقِّ مِن جَمِيعِ الطَّوَائِفِ فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى جَمِيعِ المَوْجُودَاتِ مِن الأَعْيَانِ وَالأَفْعَالِ وَمَشِيئَتِهِ العَامَّةِ، وَيُنَزِّهُونَهُ أَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِهِ مَا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلا هُوَ وَاقِعٌ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ، وَيُثْبِتُونَ القَدَرَ السَّابِقَ وَأَنَّ العِبَادَ يَعْمَلُونَ عَلَى مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَقَضَاهُ وَفَرَغَ مِنْهُ، وَأَنَّهُ لا يَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلا يَفْعَلُونَ إِلا مِن بَعْدِ مَشِيئَتِهِ وَإِنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لمْ يَشَأْ لمْ يَكُنْ.

وَيُثْبِتُونَ مَعَ ذَلكَ قُدْرَةَ العَبْدِ وَإِرَادَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ وَفِعْلَهُ حَقِيقَةً لا مَجَازًا وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الفِعْلَ غَيْرُ المَفْعُولِ كَمَا حَكَاهُ البَغْوِيُّ وَغَيْرُهُ.

فَحَرَكَاتُهُمْ وَاعْتِقَادَاتُهُمْ أَفْعَالٌ لهُمْ حَقِيقَةً وَهِيَ مَفْعُولَةٌ للَّهِ سُبْحَانَهُ مَخْلُوقَةٌ لهُ حَقِيقَةً وَالذي قَامَ بِالرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ وَمَشِيئَتُهُ وَتَكْوِينُهُ وَالذي قَامَ بِهِمْ هُوَ فِعْلُهُمْ وَكَسْبُهُمْ وَحَرَكَاتُهُمْ وَسَكَنَاتُهُمْ فَهُمُ المُسْلمُونَ المُصَلُّونَ القَائِمُونَ القَاعِدُونَ حَقِيقَةً، وَهُوَ سُبْحَانَهُ هُوَ المُقَدِّرُ لهُمْ عَلَى ذَلكَ القَادِرُ عَلَيْهِ الذي شَاءَهُ وَخَلَقَهُ لهُمْ، وَمَشِيئَتُهُمْ وَفِعْلُهُمْ بَعْدَ مَشِيئَتِهِ فَمَا يَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَمَا يَفْعَلُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.

وَالجُمْهُورُ مِن المُسْلمِينَ وَغَيْرُهُمْ كَأَئِمَّةِ المَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ، وَغَيْرُهُمْ مِن السَّلَفِ وَالعُلَمَاءُ يُثْبِتُونَ للَّهِ حِكْمَةً فَلا يَنْفُونَهَا كَمَا نَفَاهَا الأَشْعَرِيَّةُ وَنَحْوُهُمُ الذينَ يُثْبِتُونَ إِرَادَةً بِلا رَحْمَةٍ وَلا مَحَبَّةٍ وَلا رِضًا وَجَعَلُوا جَمِيعَ المَخْلُوقَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءً لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الإِرَادَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالرِّضَا بَل مَا وَقَعَ مِن الكُفْرِ وَالفُسُوقِ وَالعِصْيَانِ قَالُوا: إِنَّهُ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ. كَمَا يُرِيدُهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ القَوْلِ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لا يَرْضَاهُ مَعَ أَنَّهُ قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ، وَلا يُوَافِقُونَ المُعْتَزِلَةَ عَلَى إِنْكَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَعُمُومِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلا يُشَبِّهُونَهُ بِخَلْقِهِ فِيمَا يُوجِبُ وَيُحَرِّمُ كَمَا فَعَلَ هَؤُلاءِ، وَيُلْبِسُونَهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِن الصِّفَاتِ وَالأَفْعَالِ.

وَقَابَلَ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مِن العُلَمَاءِ وَالعُبَّادِ وَأَهْلِ الكَلامِ وَالتَّصَوُّفِ فَأَثْبَتُوا القَدَرَ وَآمَنُوا بَأَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لمْ يَشَأْ لمْ يَكُنْ لكِنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي الأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالوَعْدِ وَالوَعِيدِ وَأَفْرَطُوا حَتَّى غَلا بَعْضُهُمْ إِلَى الإِلْحَادِ فَصَارُوا مِن جِنْسِ المُشْرِكِينَ الذين قَالُوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} فَأُولَئِكَ القَدَرِيَّةُ وَإِنْ كَانُوا يُشْبِهُونَ المَجُوسَ مِن حَيْثُ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا فاعلًا لَمَّا اعْتَقَدُوهُ شرًا غَيْرَ اللَّهِ.

فَهَؤُلاءِ شَابَهُوا المُشْرِكِينَ الذين قَالُوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} فَالمُشْرِكُونَ شَرٌّ مِن المَجُوسِ، وَالمَقْصُودُ أَنَّ مَن أَثْبِتَ القَدْرَ وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى الأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَهُوَ شَرٌّ مِمَّنْ أَثْبَتَ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَلَمْ يُثْبِتِ القَدَرَ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِن أَهْلِ المِلَلِ بَلْ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ فَإِنَّ مَن احْتَجَّ بِالقَدَرِ وَشَهِدَ بِالرُّبُوبِيَّةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت