الصفحة 185 من 204

العَامَّةِ لجَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ المَأْمُورِ وَالمَحْظُورِ وَالمُؤْمِنِ وَالكَافِرِ وَأَهْلِ الطَّاعَةِ وَأَهْلِ المَعْصِيَةِ لمْ يُؤْمِنْ بِأَحَدٍ مِن الرُّسُلِ وَلا بِشَيْءٍ مِن الكُتُبِ وَكَانَ عِنْدَهُ آدَمُ وَإِبْليسُ سَوَاءً، وَنُوحٌ وَقَوْمُهُ سَوَاءً، وَمُوسَى وَفِرْعَوْنُ سَوَاءً، وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ وَالكَافِرُونَ سَوَاءً.

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ذَمِّ اللَّهِ مِن القَدَرِيَّةِ مَن يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى إِسْقَاطِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَعْظَمُ مِمَّا يَدْخُلُ فِيهِ المُنْكِرُ لهُ فَإِنَّ ضَلالَ هَذَا أَعْظَمُ؛ وَلهَذَا قَرَنَتِ القَدَرِيَّةُ بِالمُرْجِئَةُ فِي كَلامٍ غَيْرِ وَاحِدٍ مِن السَّلَفِ وَرُوِيَ فِي ذَلكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ لأَنَّ كُلًّا مِن هَاتَيْنِ البِدْعَتَيْنِ تُفْسِدُ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالوَعْدَ وَالوَعِيدَ فَالإِرْجَاءُ يُضْعِفُ الإِيمَانَ بِالوَعِيدِ وَيُهَوِّنُ أَمْرَ الفَرَائِضِ وَالمَحَارِمِ.

وَالْقَدَرِيُّ إِنِ احْتَجَّ بِهِ كَانَ عَوْنًا للْمُرْجِئِ وَإِنْ كَذَّبَ بِهِ كَانَ هُوَ وَالمُرْجِئُ قَدْ تَقَابَلا هَذَا يُبَالِغُ فِي التَّشْدِيدِ حَتَّى لا يَجْعَلَ العَبْدَ يَسْتَعِينُ بِاللَّهِ عَلَى فِعْلِ ما أَمَرَ بِهِ وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ.

وَهَذَا يُبَالِغُ فِي النَّاحِيَةِ الأُخْرَى وَمِن المَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الكُتُبَ لِتُصَدِّقَ الرُّسُلَ فِيمَا أَخْبَرَتْ وَتُطَاعَ فِيمَا أَمَرَتْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} وَالإِيمَانُ بِالقَدَرِ مِن تَمَامِ ذَلكَ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَن أَسْقَطَ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ الذي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ المُسْلمِينَ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى بَلْ هَؤُلاءِ قَوْلُهُمْ مُتَنَاقِضٌ لا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْهُمْ أَنْ يَعِيشَ بِهِ، وَلا تَقُومُ بِهِ مُصْلحَةُ أَحَدٍ مِن الخَلْقِ وَلا يَتَعَاشَرُ عَلَيْهِ اثْنَانِ فَإِنَّ القَدَرَ إِنْ كَانَ حُجَّةً فَهُوَ لكُلِّ أَحَدٍ وَإِلا فَلَيْسَ حُجَّةً لأَحَدٍ.

قَوْلُهُ وَالعَبْدُ هُوَ المُؤْمِنُ وَالكَافِرُ وَالبَرُّ وَالفَاجِرُ إِلَخْ"العَبْدُ تَارَةً يَعْنِي بِهِ المُعَبَّدَ فَيَعُمُّ الخَلْقَ كُلَّ الخَلْقِ كَمَا فِي قَوْلهِ: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرّحْمَنِ عَبْدًا} وَتَارَةً يَعْنِي بِهِ العَابِدَ فَيَخُصُّ ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فَمَنْ كَانَ أَعْبَدَ علمًا وحالًا كَانَتْ عُبُودِيَّتُهُ أَكْمَلَ فَكَانَتِ الإِضَافَةُ فِي حَقِّهِ أَكْمَلَ مَعَ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي جَمِيعِ المَوَاضِعِ."

وَالعُبُودِيَّةُ نَوْعَانِ:

عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ: فَالعُبُودِيَّةُ العَامَّةُ عُبُودِيَّةُ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلِّهمْ بَرِّهِمْ وفَاجِرِهِمْ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ.

فَهَذِهِ عُبُودِيَّةُ القَهْرِ وَالمُلْكِ. قَالَ تَعَالَى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرّحْمَنِ عَبْدًا} فَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِمْ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ.

وَقَالَ: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ} فَسَمَّاهُمْ عِبَادَهُ مَعَ ضَلالِهِمْ لكِنْ تَسْمِيَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِالإِشَارَةِ.

وَأَمَّا المُطَلَّقَةُ فَلَمْ تَجِئْ إِلا لأَهْلِ النَّوْعِ الثَّانِي وَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَادِ} {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا للْعِبَادِ} فَهَذَا يَتَنَاوَلُ العُبُودِيَّةَ الخَاصَّةَ وَالعَامَّةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت