فهرس الكتاب
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي فَعُبُودِيَّةُ الطَّاعَةِ وَالمَحَبَّةِ وَاتِّبَاعِ الأَوَامِرِ قَالَ تَعَالَى: {يعِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} فَالخَلْقُ كُلُّهُمْ عَبِيدُ رُبُوبِيَّتِهِ. وَأَهَّلُ طَاعَتِهِ وَوِلايَتِهِ هُمْ عَبِيدُ إِلَهِيَّتِهِ. وَلا يَجِيءُ فِي القُرْآنِ إِضَافَةُ العِبَادِ إِلَيْهِ مطلقًا إِلا لهَؤُلاءِ.
وَإِنَّمَا انْقَسَمَتِ العُبُودِيَّةُ إِلَى خَاصَّةٍ وَعَامَّةٍ لأَنَّ أَصْلَ مَعْنَى اللَّفْظَةِ الذُّلُّ وَالخُضُوعُ. يُقَالُ"طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ إِذَا كَانَ مُذَلَّلًا بِوَطْءِ الأَقْدَامِ، وَفُلانٌ عَبَّدَهُ الحُبُّ إِذَا ذَلَّهُ لكِنَّ أَوْليَاءَهُ خَضَعُوا لهُ وَذَلُّوا طوعًا واختيارًا وانقيادًا لأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. وَأَعْدَاؤُهُ خَضَعُوا لهُ قَهْرًا ورغمًا."
وَأَشَارَ المُؤَلِّفُ بُقُوله: وَالعَبْدُ هُوَ المُؤْمِنُ وَالكَافِرُ إِلَى قَوْلهِ: وَللْعِبَادِ قُدْرَةٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَلَهُمْ إِرَادَةٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الجَبْرِيَّةِ الذين يَقُولُونَ: إِنَّ العَبْدَ لا قُدْرَةَ وَلا إِرَادَةَ وَإِنْهُ مَجْبُورٌ عَلَى أَعْمَالِهِ لا اخْتِيَارَ لهُ.
وَأَشَارَ بُقُولِهِ وَاللَّهُ خَالِقٌ قُدْرَتَهُمْ وَإِرَادَتَهُمْ إِلَى الرَّدِّ عَلَى القَدَرِيَّةِ النُّفَاةِ الذين يَقُولُونَ: إِنَّ العَبْدَ هُوَ الذي يَخَلُقُ فِعْلَهُ. وَكَذَّبَ عَامَّةُ الْقَدَرِيَّةِ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ مِن القَدْرِ. وَلذَا سُمُّوا مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَن ابْنِ عُمَرَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ إِنْ مَرِضُوا فَلاَ تَعُودُوهُمْ وَإِنْ مَاتُوا فَلا تَشْهَدُوهُمْ". قَالَ المُنْذِرِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ عَن ابْنِ عُمَرَ ليْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَثْبُتُ اهـ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أيضًا عَن حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ وَمَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا قَدَرَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَلا تَشْهَدُوا جِنَازَتَهُ وَمَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ فَلاَ تَعُودُوهُمْ وَهُمْ شِيعَةُ الدَّجَّالِ"وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُلْحِقَهُمْ بِالدَّجَّالِ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَرُوِيَ مِن طَرِيقٍ أُخْرَى وَلا يَثْبُتُ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا المَعْنَى عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَرَافِعِ بنِ خَدِيجٍ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَمِّ القَدَرِيَّةِ أَحَادِيثُ أُخَرُ تَكَلَّمَ أَهْلُ الحَدِيثِ فِي صِحَّةِ رَفْعِهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ"وَالذي صَحَّ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَمُّهُمْ مِن أَهْلِ البِدَعِ هُمُ الخَوَارِجُ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِيهِمُ الحَدِيثُ مِن وُجُوهٍ كُلُّهَا صِحَاحٌ لأَنَّ مَقَالَتَهُمْ حَدَثَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَلَّمَهُ رَئِيسُهُمْ."
وَأَمَّا الإِرْجَاءُ وَالرَّفْضُ وَالقَدَرُ وَالتَّجَهُّمُ وَالحُلُولُ وَغَيْرُهَا مِن البِدَعِ فَإِنَّهَا حَدَثَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ. وَبِدْعَةُ القَدَرِ أَدْرَكَتْ آخِرَ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَأَنْكَرَهَا مَن كَانَ مِنْهُمْ حيًّا كعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَمْثَالِهِمَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَأَكْثَرُ مَا يَجِيءُ مِن ذَمِّهِمْ فَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الصَّحَابَةِ مِن قَوْلِهِمْ فِيهِ.
ثُمَّ حَدَثَتْ بِدعَةُ الإِرْجَاءِ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَتَكَلَّمَ فِيهَا كِبَارُ التَّابِعِينَ الذين أَدْرَكُوهَا. ثُمَّ حَدَثَتْ بِدعَةُ التَّجَهُّمِ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ التَّابِعِينَ وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهَا وَاسْتَطَارَ شَرُّهَا فِي زَمَنِ الأَئِمَّةِ كَالإِمَامِ أَحْمَدَ وَذَوِيِهِ. ثُمَّ حَدَثَتْ بِدْعَةُ الحلولِ