فهرس الكتاب
وظهرَ أمرُهَا في زمنِ الحُسَينِ الحَلَّاجِ وكُلَّما أَظْهَرَ الشَّيطانُ بِدْعَةً مِن هَذِهِ البِدَعِ وَغَيْرِهَا أَقَامَ اللَّهُ لهَا مِن حِزْبِهِ وَجُنْدِهِ مَن يَرُدُّهَا وَيُحَذِّرُ المُسْلمِينَ مِنْهَا.
وَسُمِّيَ القَدَرِيَّةُ مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ"لِمُضَاهَاةِ مَذْهَبِهِمْ مَذْهَبَ المَجُوسِ فِي قَوْلِهِمْ بِالأَصْلَيْنِ وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ يَزْعُمُونَ أَنَّ الخَيْرَ مِن فِعْلِ النُّورِ وَالشَّرَّ مِن فِعْلِ الظُّلْمَةِ فَصَارُوا ثَانَوِيَّةً. وَكَذَلكَ القَدَرِيَّةُ يُضِيفُونَ الخَيْرَ وَالشَّرَّ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُمَا إِلا بِمَشِيئَتِهِ."
وَقَابَلَ هَؤُلاءِ طَائِفَةُ الجَبْرِيَّةِ. الذين غَلَوْا فِي إِثْبَاتِ القَدَرِ حَتَّى سَلَبُوا العَبْدَ قُدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ، وَلأَجْلِ ذَلكَ نَفُوا الحِكْمَةَ وَالتَّعْليلَ، فَالقَدَرِيَّةُ النُّفَاةُ قَصَّرُوا وَهَؤُلاءِ غَلَوْا.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ فَلا إِفْرَاطَ وَلا تَفْرِيطَ، عَلَى إِثْبَاتِ الأَمْرَيْنِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ} .
فَقَوْله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} رَدٌّ عَلَى الجَبْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ العَبْدَ لا مَشِيئَةَ لهُ أَوْ أَنَّ مَشِيئَتَهُ مُجَرَّدُ عَلامَةٍ عَلَى حُصُولِ الفِعْلِ، لا ارْتِبَاطَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ إِلا مُجَرَّدَ اقْتِرَانٍ عَادِيٍّ مِن غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سببًا فِيهِ. وَقَوْلُهُ: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ} رَدٌّ عَلَى القَدَرِيَّةِ القَائِلينَ بِأَنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُسْتَقِلَّةٌ بِإِيجَادِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ بَلْ مَتَى شَاءَ العَبْدُ الفِعْلَ وُجِدَ، وَيَسْتَحِيلُ عِنْدَهُمْ تَعَلُّقُ مَشِيئَةِ اللَّهِ بِفِعْلِ العَبْدِ بَلْ هُوَ بِفِعْلِهِ بِدُونِ مَشِيئَةِ اللَّهِ فَالآيَتَانِ مُبْطِلَتَانِ لقَوْلِ الطَّائِفَتَيْنِ.
وَالذي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مَعَ سَائِرِ أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ وَأَدِلَّةِ العَقْلِ الصَّرِيحِ أَنَّ مَشِيئَةَ العِبَادِ مِن جُمْلَةِ الكَائِنَاتِ الَّتِي لا تُوجَدُ إِلا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَمَا لمْ يَشَأْ لمْ يَكُنِ البَتَّةَ كَمَا أَنَّ مَا شَاءَ كَانَ وَلا بُدَّ، وَهَاتَانِ الآيَتَانِ مُتَضَمِّنَتَانِ إِثْبَاتَ الشَّرْعِ وَالقَدَرِ وَالأَسْبَابِ وَالمُسَبِّبَاتِ وَفِعْلِ العَبْدِ وَاسْتِنَادِهِ إِلَى فِعْلِ الرَّبِّ، وَلكُلٍّ مِنْهُمَا عُبُودِيَّةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهَا فَعُبُودِيَّةُ الآيَةِ الأُولَى الاجْتِهَادُ وَاسْتِفْرَاغُ الوُسْعِ والاخْتِيَارِ وَالسَّعْيِ.
وَعُبُودِيَّةُ الثَّانِيَةِ: الاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ والتّوَكُلُّ عَلَيْهِ واللَّجَاءُ إِلَيْهِ وَاسْتِنْزَالُ التَّوْفِيقِ وَالعَوْنُ وَالعِلْمُ بِأَنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ أَنْ يَشَاءَ وَلا يَفْعَلُ حَتَّى يَجْعَلَهُ اللَّهُ كَذَلكَ. وَقَوْلُهُ: {رَبُّ الْعَالَمِينَ} يَنْتَظِمُ ذَلكَ كُلُّه وَيَتَضَمَّنُهُ. فَمَنْ عَطَّلَ أَحَدَ الأَمْرَيْنِ فَقَدْ جَحَدَ كَمَالَ رُبُوبِيَّتِهِ وَعَطَّلَهَا.
* فصل في الإيمان *
فَصْلٌ: وَمِن أُصُولِ [أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ] أَنَّ الدِّينَ والإِيْمانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، قَوْلُ القَلْبِ وَاللسَانِ، وَعَمَلُ القَلْبِ وَاللسَانِ وَالجَوَارِحِ.