فهرس الكتاب
وَأَنَّ الإِيْمانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ.
وَهُمْ مَعَ ذَلكَ لا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ القِبْلَةِ بِمُطْلَقِ المَعَاصِي وَالكَبَائِرِ كَمَا يَفْعَلُهُ الخَوَارِجُ، بَل الأُخُوَّةُ الإِيْمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ المَعَاصِي كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ [فِي آيَةِ القِصَاصِ] : {فَمَنْ عُفِيَ لهُ مِن أَخِيْهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ} ، وَقَالَ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصِلْحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ * إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} .
وَلا يَسْلُبُونَ الفَاسِقَ المِليَّ [الإِسْلامَ] بِالكُليَّةِ، وَلا يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّارِ كَمَا تَقُولُ المُعْتَزِلَةُ.
بَل الفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإِيمَانِ كَمَا فِي قَوْلهِ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} .
وَقَدْ لا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإِيمَانِ المُطْلَقِ كَمَا فِي قَوْلهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الذين إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُليَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيْمانًا} وَقَوْلهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِيْنَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ".
[وَنَقُولُ] : هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الإِيمَانِ، أَوْ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ، فَلا يُعْطَى الاسْمَ المُطْلَقَ، وَلا يُسْلَبُ مُطْلَقَ الاسْمِ بكبيرَتِهِ.
الإِيمَانُ لُغَةً التَّصْدِيقُ وَمِنْهُ {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} أَيْ بِمُصَدِّقٍ لنَا.
وشرعًا تَصْدِيقٌ خَاصٌّ. وَقَدْ تَنَوَّعَتْ عِبَارَاتُ السَّلَفِ فِيهِ فَتَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَاعْتِقَادٌ بِالجِنَانِ وَعَمَلٌ بِالجَوَارِحِ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّة ٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ. وَكُلُّ هَذَا صَحِيحٌ فَإِذَا قَالُوا: هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي القَوْلِ قَوْلُ القَلْبِ وَاللسَانِ جميعًا. وَهَذَا هُوَ المَفْهُومُ مِن لفْظِ القَوْلِ وَالكَلامِ وَنَحْوِ ذَلكَ إِذَا أَطْلَقَ. فَإِنَّ الذي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالفُقَهَاءُ وَالجُمْهُورُ يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ وَالمَعْنَى جميعًا فَمَنْ قَالَ مِن السَّلَفِ: الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ أَرَادَ قَوْلَ القَلْبِ وَاللسَانِ وَعَمَلَ القَلْبِ وَالجَوَارِحِ، وَمَن أَرَادَ الاعْتِقَادَ أَيْ: أَنَّ لفْظَ القَوْلِ لا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلا القَوْلُ الظَّاهِرُ أَوْ خَافَ ذَلكَ فَزَادَ الاعْتِقَادَ بِالقَلْبِ.
وَمَنْ قَالَ"قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ قَالَ: القَوْلُ يَتَنَاوَلُ الاعْتِقَادَ وَقَوْلَ اللسَانِ. وَأَمَّا العَمَلُ فَقدْ لا يُفْهَمُ مِنْهُ النِّيَّةُ فَزَادُوا ذَلكَ. وَمَن زَادَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ فَلأَنَّ ذَلكَ كُلَّهُ لا يَكُونُ محبوبًا للَّهِ إِلا بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَأُولَئِكَ لمْ يُرِيدُوا كُلَّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ إِنَّمَا أَرَادُوا ما كَانَ مشروعًا مِن الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ وَلَكِنْ كَانَ مَقْصُودُهُمُ الرَّدَّ عَلَى المُرْجِئَةِ الذين جعُلُوهُ قولًا فَقَطْ فَقَالُوا: بَل هُوَ قَوْلٌ"