الصفحة 189 من 204

وَعَمَلٌ. وَالذين جعُلُوهُ أَرْبَعَةً فَسَرَّوْا مُرَادَهمْ كَمَا سُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ عَن الإِيمَانِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ وَسُنَّةٌ لأَنَّ الإِيمَانَ إِذَا كَانَ قولًا بِلا عَمَلٍ فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِذَا كَانَ قولًا وعملًا بِلا نِيَّةٍ فَهُوَ نِفَاقٌ. وَإِذَا كَانَ قولًا وعملًا وَنِيَّةٌ بِلا سُنَّةٍ فَهُوَ بِدْعَةٌ.

وَهُنَا أَصْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ مُرَكَّبَةٌ مِن قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَالقَوْلُ قِسْمَانِ قَوْلُ القَلْبِ وَهُوَ الاعْتِقَادُ وَقَوْلُ اللسَانِ وَهُوَ التَكلُّمُ بِكَلمَةِ الإِسْلامِ. وَالعَمَلُ قِسْمَانِ: عَمَلُ القَلْبِ وَهُوَ نِيَّةٌ وَإِخْلاصٌ. وَعَمَلٌ بِالجَوَارِحِ فَإِذَا زَالَتْ هَذِهِ الأَرْبَعَةُ زَالَ الإِيمَانُ بِكَمَالِهِ وَإِذَا زَالَ تَصْدِيقُ القَلْبِ لمْ تَنْفَعْ بَقِيَّةُ الأَجْزَاءِ. فَإِنِّ تَصْدِيقَ القَلْبِ شَرْطٌ فِي اعْتِقَادِهَا وَكَوْنِهَا نَافِعَةً. وَإِذَا زَالَ عَمَلُ القَلْبِ مَعَ اعْتِقَادِ المُصَدِّقِ فَهَذَا مَوْضِعُ المَعْرَكَةِ بَيْنَ المُرْجِئَةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ. فَأَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى زَوَالِ الإِيمَانِ وَأَنَّهُ لا يَنْفَعُ التَّصْدِيقُ مَعَ انْتِفَاءِ عَمَلِ القَلْبِ وَهُوَ مَحَبَّتُهُ وَاعْتِقَادُهُ كَمَا لمْ يَنْفَعْ إِبْليسَ وَفِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ وَاليَهُودَ وَالمُشْرِكِينَ الذين كَانُوا يَعْتَقِدُونَ صِدْقَ الرَّسُولِ بَلْ وَيُقِرُّونَ بِهِ سرًّا وجهرًا وَيَقُولُونَ: ليْسَ بِكَاذِبٍ وَلَكِنْ لا نَتَّبِعُهُ وَلا نُؤْمِنُ بِهِ.

وَإِذَا كَانَ الإِيمَانُ يَزُولُ بِزَوَالِ عَمَلِ القَلْبِ فَغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَزُولَ بِزَوَالِ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ وَلا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَلْزُومًا لِعَدَمِ مَحَبَّةِ القَلْبِ وَانْقِيَادِهِ الذي هُوَ مَلْزُومٌ لعَدَمِ التَّصْدِيقِ الجَازِمِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ طَاعَةِ الجَوَارِحِ. وَيَلْزَمُ مِن عَدَمِ طَاعَتِهِ وَانْقِيَادِهِ عَدَمُ التَّصْدِيقِ وَإِنَّمَا هُوَ التَّصْدِيقُ المُسْتَلْزِمُ للطَّاعَةِ وَالانْقِيَادِ.

وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ لفْظَ الإِيمَانِ حَيْثُ أُطْلِقَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دَخَلَ فِيهِ الأَعْمَالُ وَإِنَّمَا يُدَّعَى خُرُوجُهَا مِنْهُ عِنْدَ التَّقْيِيدِ"فَإِذَا قُيِّدَ الإِيمَانُ فَقُرِنَ بِالإِسْلامِ أَوْ بِالعَمَلِ الصَّالحِ فَإِنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا فِي القَلْبِ مِن الإِيمَانِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَهَلْ يُرَادُ بِهِ أيضًا المَعْطُوفُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مِن بَابِ عَطْفِ الخَاصِّ عَلَى العَامِّ؟ أَوَّلًا يَكُونُ الاقْتِرَانُ داخلًا فِي مُسَمَّاهُ. بَلْ يَكُونُ لازمًا لهُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَوْ لا يَكُونُ بعضًا وَلا لازمًا؟ هَذَا فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ للنَّاسِ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عَامَّةِ الأَسْمَاءِ يَتَنَوَّعُ مُسَمَّاهُ بِالإِطْلاقِ وَالتَّقْيِيدِ."

وَالإِيمَانُ أَصْلُهُ الإِيمَانُ الذي فِي القَلْبِ وَلا بُدَّ فِيهِ مِن شَيْئَيْنِ تَصْدِيقُ القَلْبِ وَإِقْرَارُهُ وَمَعْرِفَتُهُ وَيُقَالُ لهَذَا: قَوْلُ القَلْبِ قَالَ الجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: التَّوْحِيدُ قَوْلُ القَلْبِ، والتّوَكُلُّ عَمَلُ القَلْبِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِن قَوْلِ القَلْبِ وَعَمَلِهِ ثُمَّ قَوْلِ البَدَنِ وَعَمَلِهِ وَلا بُدَّ فِيهِ مِن عَمَلِ القَلْبِ مِثْلَ حُبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَشْيَةِ اللَّهِ وَحُبِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَبُغْضِ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَإِخْلاصِ العَمَلِ للَّهِ وَحْدَهُ وتوَكُلِّ القَلْبِ عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَغَيْرِ ذَلكَ مِن أَعْمَالِ القُلُوبِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَجَعَلَهَا مِن الإِيمَانِ، ثُمَّ القَلْبُ هُوَ الأَصْلُ فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَعْرِفَةٌ وَإِرَادَةٌ سَرَى ذَلكَ إِلَى البَدَنِ بِالضَّرُورَةِ لا يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّفُ البَدَنُ عَمَّا يُرِيدُ القَلْبُ فَإِذَا كَانَ صالحًا بِمَا فِيهِ مِن الإِيمَانِ عِلْمًا وعملًا قلْبِيًّا لزِمَ ضَرُورَةَ صَلاحِ الجَسَدِ بِالقَوْلِ الظَّاهِرِ وَالعَمَلِ، فَالإِيمَانُ المُطْلَقُ كَمَا قَالَ أَهْلُ الحَدِيثِ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ قَوْلٌ بَاطِنٌ وَظَاهِرٌ وَعَمَلٌ بَاطِنٌ وَظَاهِرٌ. وَالظَّاهِرُ تَابِعٌ للْبَاطِنِ لازِمٌ لهُ فَمَتَى صَلَحَ البَاطِنُ صَلَحَ الظَّاهِرُ وَإِذَا فَسَدَ فَسَدَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت