فهرس الكتاب
وَمِن هُنَا يَظْهَرُ خَطَأُ قَوْلِ جَهْمٍ وَمَن اتَّبَعَهُ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ الإِيمَانَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ وَلَمْ يَجْعَلُوا أَعْمَالَ القَلْبِ مِن الإِيمَانِ، فَالكُفْرُ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الجَهْلُ، وَالإِيمَانُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ العِلْمُ أَوْ تَكْذِيبُ القَلْبِ وَتَصْدِيقُهُ فَإِنَّهُمْ مُتَنَازِعُونَ: هَلْ تَصْدِيقُ القَلْبِ شَيْءٌ غَيْرُ العِلْمِ أَوْ هُوَ هُوَ؟
وَهَذَا القَوْلُ مَعَ أَنَّهُ أَفْسَدَ قَوْلٍ قِيلَ فِي الإِيمَانِ فَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أَهْلِ الكَلامِ مِن المُرْجِئَة.
وَقَدْ ذَكَرَ السَّلْفَ كَوَكِيعِ بْنِ الجَرَّاحِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِمْ مَن يَقُولُ: بِهَذَا القَوْلِ وَقَالُوا: فَإِبْلِيسَ كَافِرٌ بِنَصِّ القُرْآنِ وَإِنَّمَا كَفَرَ بِاسْتِكْبَارِهِ وَامْتِنَاعِهِ عَن السُّجُودِ لآدَمَ لا لكَوْنِهِ كَذَّبَ خبرًا وَكَذَلكَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لفِرْعَوْنَ: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا} بَعْدَ قَوْلهِ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا} فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ عالِمًا بَأَنَّ اللَّهِ أَنْزَلَ هَذِهِ الآيَاتِ وَهُوَ مِن أَكْبَرِ خَلْقِ اللَّهِ عِنادًا وبغْيًا لفَسَادِ إِرَادَتِهِ وَقَصْدِهِ لا لعَدَمِ عِلْمِهِ، وَكَذَلكَ اليَهُودُ الذين قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} وَكَذَلكَ كَثِيرٌ مِن المُشْرِكِينَ الذين قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} .
"وَهَلْ يَسْتَلْزِمُ الإِسْلامُ الإِيمَانَ؟ هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ، وَالوَعْدُ الذي فِي القُرْآنِ بِالجَنَّةِ وَبِالنَّجَاةِ مِن العَذَابِ وَإِنَّمَا هُوَ مُعَلَّقٌ بَاسِمِ الإِيمَانِ. وَأَمَّا اسْمُ الإِسْلامِ مجرَّدًا فَمَا عُلِّقَ بِهِ فِي القُرْآنِ دُخُولُ الجَنَّةِ لكِنْ فَرَضَهُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ دِينُهُ الذي لا يَقْبَلُ مِن أَحَدٍ سِوَاهُ. وَبِالإِسْلامِ بَعَثَ اللَّهُ جَمِيعَ النَّبِيِّينَ."
وَحَقِيقَةُ الفَرْقِ: إِنَّ الإِسْلامَ دِينٌ، وَالدِّينُ مَصْدَرُ دَانَ يَدِينُ دَيْنًا إِذَا خَضَعَ وَذَلَّ. وَدِينُ الإِسْلامِ الذي ارْتَضَاهُ اللَّهُ وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ هُوَ الاسْتِسْلامُ للَّهِ وَحْدَهُ.
وَأَصْلُهُ فِي القَلْبِ هُوَ الخُضُوعُ للَّهِ وَحْدَهُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ فَمَنْ عَبَدَهُ وَعَبَدَ مَعَهُ إلهًا آخَرَ لمْ يَكُنْ مُسلمًا، وَمَن لمْ يَعْبُدْهُ بَلْ اسْتَكْبَرَ عَن عِبَادَتِهِ لمْ يَكُنْ مُسلمًا. وَالإِسْلامُ هُوَ الاسْتِسْلاَمُ للَّهِ وَهُوَ الخُضُوعُ لهُ وَالعُبُودِيَّةُ. هَكَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَسْلَمَ الرَّجُلُ إِذَا اسْتَسْلَمَ فَالإِسْلامُ فِي الأَصْلِ مِن بَابِ العَمَلِ عَمَلِ القَلْبِ وَالجَوَارِحِ.
وَأَمَّا الإِيمَانُ فَأَصْلُهُ تَصْدِيقٌ وَأَقْوَالٌ وَمَعْرِفَةٌ فَهُوَ مِن بَابِ قَوْلِ القَلْبِ المُتَضَمِّنِ عَمَلَ القَلْبِ وَالأَصْلُ فِيهِ التَّصْدِيقُ وَالعَمَلُ تَابِعٌ لهُ. فَلهَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِيمَانِ القَلْبِ وَبِخُضُوعِهِ.
وَهُوَ الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَفَسْرُ الإِسْلامِ بِالاسْتِسْلامِ مَخْصُوصٌ وَهُوَ المَبَانِي الخَمْسُ وَهَكَذَا فِي سَائِرِ كَلامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفَسِّرُ الإِيمَانَ بِذَلكَ النَّوْعِ وَيُفَسِّرُ الإِسْلامَ بِهَذَا.