فهرس الكتاب
وَذَاكَ النَّوْعُ أَعَلا وَكُلُّ مُؤْمِنٍ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسلمًا فَإِنَّ الإِيمَانَ يَسْتَلْزِمُ الأَعْمَالَ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلمٍ مؤمنًا هَذَا الإِيمَانُ المُطْلَقُ لأَنَّ الاسْتِسْلامَ للَّهِ وَالعَمَلَ لا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا الإِيمَانِ الخَاصِّ. وَهَذَا الفَرْقُ يَجِدُهُ الإِنْسَانُ مِن نَفْسِهِ وَيَعْرِفُهُ مِن غَيْرِهِ. فَعَامَّةُ النَّاسِ إِذَا سَلَّمُوا بَعْدَ كُفْرٍ وَوُلِدُوا عَلَى الإِسْلامِ والْتَزَمُوا شَرَائِعَهُ وَكَانُوا مِن أَهْلِ الطَّاعَةِ للَّهِ وَرَسُولِهِ فَهُمْ مُسْلمُونَ وَمَعَهُمْ إِيمَانٌ مُجْمَلٌ وَلَكِنْ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ إِنَّمَا يَحْصُلُ شَيْئًا فشَيْئًا. إِنْ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ ذَلكَ وَإِلا فَكَثِيرٌ مِن النَّاسِ لا يَصِلُونَ لا إِلَى اليَقِينِ وَلا إِلَى الجِهَادِ وَلَوْ شُكِّكُوا لشَكُّوا وَلَوْ أُمِرُوا بِالجِهَادِ لَمَا جَاهَدُوا.
وَلَيْسُوا كفارًا وَلا مُنَافِقِينَ ليْسَ عِنْدَهُمْ مِن عِلْمِ القَلْبِ وَمَعْرِفَتِهِ وَيَقِينِهِ مَا يَدْرَأُ الرَّيْبَ، وَلا عِنْدَهُمْ مِن قُوَّةِ الحُبِّ للَّهِ وَلرَسُولِهِ مَا يُقَدِّمُونَهُ عَلَى الأَهْلِ وَالمَالِ، وَهَؤُلاءِ إِنْ عُوفُوا مِن المِحْنَةِ وَمَاتُوا دَخَلُوا الجَنَّةَ وَإِنِ ابْتُلُوا بِمَنْ يُورِدُ عَلَيْهِمْ شُبَهَاتٍ تُوجِبُ رَيْبَهُمْ فَإِنْ لمْ يُنْعِمِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَا يُزِيلُ الرَّيْبَ وَإِلاَّ صَارُوا مُرْتَابِينَ وَانْتَقَلُوا إِلَى نَوْعٍ مِن النِّفَاقِ وَكَذَلكَ إِذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِمُ الجِهَادُ وَلَمْ يُجَاهِدُوا كَانُوا مِن أَهْلِ الوَعِيدِ.
وَكُلُّ مَا تَقُولُهُ الخَوَارِجُ وَالمُرْجِئَةُ فِي مَعْنَى الإِيمَانِ يُعْلَمُ بالاضْطِرَارِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ للرَّسُولِ وَيُعْلَمُ بالاضْطِرَارِ أَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِن تَمَامِ الإِيمَانِ وَأَنَّهُ لمْ يَكُنْ يَجْعَلُ كُلَّ مَن أَذْنَبَ ذَنْبًا كافرًا.
وَلَيْسَ لفْظُ الإِيمَانِ مُرادفًا للتَّصْدِيقِ فَإِنَّهُ يُقَالُ للْمُخْبِرِ إِذَا صَدَّقْتَهُ صَدَّقَهُ وَلا يُقَالُ آمَنَهُ وَآمَنَ بِهِ بَلْ يُقَالُ آمَنَ لهُ كَمَا قَالَ: {فَآمَنَ لهُ لُوطٌ} وَلا يُقَالُ: صَدَّقْتُ لهُ.
وَهَذَا بِخِلافِ لفْظِ الإِيمَانِ فَإِنَّهُ تَعَدَّى إِلَى الجَرِّ بِاللاَّمِ دائمًا لا يُقَالُ آمَنْتُهُ قَطُّ وَإنَّمَا يُقَالُ: آمَنْتُ لهُ كَمَا يُقَالُ أَقْرَرْتُ فَكَانَ تَفْسِيرُهُ بِلَفْظِ الإِقْرَارِ أَقْرَبَ مِن تَفْسِيرِهِ بِلَفْظِ التَّصْدِيقِ مَعَ أَنَّ بَيْنَهُمَا فرقًا وَلَيْسَ مُرادفًا للَفْظِ التَّصْدِيقِ فِي المَعْنَى فَإِنَّ كُلَّ مُخْبِرٍ عَن مُشَاهَدَةٍ أَوْ غَيْبٍ يُقَالُ لهُ فِي اللُّغَةِ صَدَقْتَ كَمَا يُقَالُ: كَذَبْتَ فَمَنْ قَالَ: السَّمَاءُ فَوْقَنَا قِيلَ لهُ صِدْقٌ كَمَا يُقَالُ لهُ كَذِبٌ.
وَأَمَّا لفْظُ الإِيمَانِ فَلا يُسْتَعْمَلُ إِلا فِي الخَبْرِ عَن غَائِبٍ لمْ يُوجَدْ فِي الكَلامِ أَنَّ مَن أَخْبَرَ عَن مُشَاهَدَةٍ كَقَوْلهِ طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ أَنْ يُقَالُ آمَنَّا لهُ كَمَا يُقَالُ صَدَّقْنَاهُ. وَلهَذَا المُحَدِّثُونَ وَالشُّهُودُ وَنَحْوُهُمْ يُقَالُ: صَدَّقْنَاهُمْ وَلا يُقَالُ آمَنَّا لهُمْ فَإِنَّ الإِيمَانَ مُشْتَقٌّ مِن الأَمْنِ وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي خَبَرٍ يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ المُخْبِرُ كَالأَمْرِ الغَائِبِ الذي يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ المُخْبِرُ.
وَلهَذَا لمْ يُوجَدْ قَطُّ فِي القُرْآنِ وَغَيْرِهِ لفَظُ آمَنَ لهُ إِلا فِي هَذَا النَّوْعِ وَالاثْنَانِ إِذَا اشْتَرَكَا فِي مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ يُقَالُ صَدَّقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَلا يُقَالُ آمَنَ لهُ؛ لأَنَّهُ لمْ يَكُنْ غائِبًا عَن شَيْءٍ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ.
فَاللَّفْظُ يَتَضَمَّنُ مَعَ التَّصْدِيقِ مَعْنَى الائْتِمَانِ وَالأَمَانَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الاسْتِعْمَالُ والاشْتِقَاقُ، وَلَفْظُ الإِيمَانِ فِي اللُّغَةِ لمْ يُقَابَلْ بِالتَّكْذِيبِ فَلا يُقَالُ أَنْتَ مُؤْمِنٌ لهُ أَوْ مُكَذِّبٌ لهُ بَل المَعْرُوفُ فِي مُقَابَلَةِ الإِيمَانِ لفْظُ الكُفْرِ يُقَالُ هُوَ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ وَالكُفْرُ لا يَخْتَصُّ بِالتَّكْذِيبِ.