فهرس الكتاب
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ أَكْثَرَ التَّنَازُعِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ هُوَ نِزَاعٌ لفْظِيٌّ. وَإِلاَّ فَالقَائِلُونَ بِأَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ مِن الفُقَهَاءِ: كَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَهُوَ أَوَّلُ مَن قَالَ ذَلكَ وَمَن اتَّبَعَهُ مِن أَهْلِ الكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ - مُتَّفِقُونَ مَعَ جَمِيعِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ دَاخِلُونَ تَحْتَ الذَّمِّ وَالوَعِيدِ. وَيَقُولُونَ أيضًا بِأَنَّ مِن أَهْلِ الكَبَائِرِ مَن يَدْخُلُ النَّارَ كَمَا تَقُولُهُ الجَمَاعَةُ، وَالذين يَنْفُونَ عَن الفَاسِقِ اسْمَ الإِيمَانِ مِن أَهْلِ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ فَلَيْسَ بَيْنَ فُقَهَاءِ المِلَّةِ نِزَاعٌ فِي أَصْحَابِ الذُّنُوبِ إِذَا كَانُوا مُقِرِّينَ باطنًا وظاهرًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَمَا تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُمْ مِن أَهْلِ الوَعِيدِ وَأَنَّهُ يَدْخُلُ النَّارَ مَن أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِدُخُولِهِ إِيَّاهَا وَلا يُخَلَّدُ مِنْهُمْ فِيهَا أَحَدٌ وَلا يَكُونُونَ مُرْتَدِّينَ مُبَاحِي الدِّمَاءِ، وَلَكِنْ إِلا قَوْلَ المُنْحَرِفَةِ قَوْلَ مَن يَقُولُ بِتَخْليدِهِمْ فِي النَّارِ كَالخَوَارِجِ وَالمُعْتَزِلَةِ وَقَوْلَ غُلاةِ المُرْجِئَةِ الذين يَقُولُونَ: مَا نَعْلَمُ أَنَّ أحدًا مِنْهُمْ يَدْخُلُ النَّارَ بَلْ نَقِفُ فِي هَذَا كُلِّهِ. وَحُكِيَ عَن بَعْضِ غُلاةِ المُرْجِئَةِ الجَزْمُ بِالنَّفْيِ العَامِّ.
وَيُقَالُ للْخَوَارِجِ: الذي نَفىَ عَن السَّارِقِ وَالزَّانِي وَالشَّارِبِ وَغَيْرِهِمُ الإِيمَانَ هُوَ لمْ يَجْعَلْهُمْ مُرْتَدِّينَ عَن الإِسْلامِ بَل عَاقَبَ هَذَا بِالجِلْدِ وَهَذَا بِالقَطْعِ وَلَمْ يَقْتُلْ أحدًا إِلا الزَّانِيَ المُحْصَنَ وَلَمْ يُقْتَلْ قَتْلَ المُرْتَدِّ فَإِنَّ المُرْتَدَّ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ بَعْدَ الاسْتِتَابَةِ وَهَذَا يُرْجَمُ بِالحِجَارَةِ بِلا اسْتِتَابَةٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ نُفِيَ عَنْهُمُ الإِيمَانُ فَلَيْسُوا عِنْدَهُ مُرْتَدِّينَ عَن الإِسْلامِ مَعَ ظُهُورِ ذُنُوبِهِمْ.
وَسَبَبُ الكَلامِ فِي مَسْأَلَةِ الإِيمَانِ تَنَازُعُ النَّاسِ هَلْ فِي اللُّغَةِ أَسْمَاءٌ شَرْعِيَّةٌ نَقَلَهَا الشَّارِعُ عَن مُسَمَّاهَا فِي اللُّغَةِ أَوْ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ؟. فَذَهَبَتِ الخَوَارِجُ وَالمُعْتَزِلَةُ إِلَى أَنَّهَا مَنْقُولَةٌ. وَذَهَبَتِ المُرْجِئَةُ إِلَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ لكِنَّ الشَّارِعَ زَادَ فِي أَحْكَامِهَا لا فِي مَعْنَى الأَسْمَاءِ، مَقْصُودُهُمْ أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ وَذَلكَ يَحْصُلُ بِالقَلْبِ وَاللسَانِ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ إِلَى أَنَّ الشَّارِعَ تَصَرَّفَ فِيهَا تَصَرُّفَ أَهْلِ العُرْفِ فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللُّغَةِ مَجَازٌ وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عُرْفِ الشَّارِعِ حَقِيقَةٌ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الشَّارِعَ لمْ يَنْقُلْهَا وَلَمْ يُغَيِّرْهَا لكِنْ اسْتَعْمَلَهَا مُقَيَّدَةً لا مُطْلَقَةً كَمَا يَسْتَعْمَلُ نَظَائِرَهَا. وَالمَقْصُودُ أَنَّ مَن نَفَى عَنْهُ الرَّسُولُ اسْمَ الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ فَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَرَكَ بَعْضَ الوَاجِبَاتِ وَإِنْ بَقِيَ بَعْضُهَا.
وَلهَذَا كَانَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ يَتَفَاضَلُ وَجُمْهُورُهُمْ يَقُولُونَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. وَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ يَزِيدُ وَلا يَنْقُصُ. وَقَدْ ثَبَتَ لَفْظُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عَن الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُعْرَفْ فِيهِ مُخَالِفٌ مِن الصَّحَابَةِ فَعَنْ عُمَيْرِ بْنِ حَبِيبٍ الخَطْمِيِّ قَالَ: الإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ قِيلَ: وَمَا زِيَادَتُهُ وَمَا نُقْصَانُهُ؟ قَالَ: إِذَا ذَكَرْنَا اللَّهُ وَحَمِدْنَاهُ وَسَبَّحْنَاهُ فَتِلْكَ زِيَادَتُهُ وَإِذَا غَفَلْنَاهُ وَنَسِينَاهُ فَتِلْكَ نُقْصَانُهُ. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: الإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَقَالَ إنَّ مِن فِقْهِ الرَّجُلِ أنْ يَتَعَاهَدَ إِيمَانَهُ وَمَا نَقَصَ منْهُ وَمِن فِقْهِ العَبْدِ أنْ يَعْلَمَ أَيُزَادُ هُوَ؟ أَمْ يَنْقُصُ؟ وَإِنَّ مَنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ نَزَعَاتِ الشَّيْطَانِ أَيْنَ تَأْتِيهِ؟
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ.
وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَثْبَتَهَا الصَّحَابَةُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُزُولِ القُرْآنِ كُلِّهِ.