فهرس الكتاب
وَاتَّفَقَ عَلَى قِتَالِهِمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ. وَلَمْ يُكَفِّرْهُمْ عَليُّ بْنُ أَبِي طَالبٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيْرُهُمَا مِن الصَّحَابَةِ، بَلْ جَعَلُوهُمْ مُسْلمِينَ مَعَ قِتَالِهِمْ وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ عَلِيٌّ حَتَّى سَفَكُوا الدَّمَ الحَرَامَ وَأَغَارُوا عَلَى أَمْوَالِ المُسْلمِينَ فَقَاتَلَهُمْ لدَفْعِ ظُلْمِهِمْ وَبَغْيِهِمْ، لا لأَنَّهُمْ كُفَّارٌ. وَلهَذَا لمْ يَسْبِ حَرِيمَهُمْ وَلَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَهُمْ.
وَإِذَا كَانَ هَؤُلاءِ الذين ثَبَتَ ضَلالُهُمْ بِالنَّصِّ وَالإِجْمَاعِ لمْ يَكْفُرُوا مَعَ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِهِمْ فَكَيْفَ بِالطَّوَائِفِ المُخْتَلفِينَ الذين اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الحَقُّ فِي مَسَائِلَ غَلَطَ فِيهَا مَن هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ فَلا يَحِلُّ لإِحْدَى هَذِهِ الطَّوَائِفِ أَنْ تُكَفِّرَ الأُخْرَى وَلا تَسْتَحِلُّ دَمَهَا وَمَالَهَا وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا بِدْعَةٌ مُحَقَّقَةٌ فَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ المُكَفِّرَةُ لهَا مُبْتَدِعَةً أيضًا؟ وَقَدْ تَكُونُ بِدْعَةُ هَؤُلاءِ أَغْلَظَ.
وَالغَالبُ أَنَّهُمْ جميعًا جُهَّالٌ بِحَقَائِقِ مَا يَخْتَلفُونَ فِيهِ. وَالأَصْلُ أَنَّ دِمَاء المسلمين وأَمْوالَهمْ وأعْراضَهمْ مُحَرَّمَةٌ مِن بعضِهم عَلَى بعضٍ لاَ تَحِلُّ إلاَّ بإذْنِ اللهِ ورسولِهِ.
وَإذَا كانَ المسلمُ مُتَأوِّلًا فِي القتالِ أو التكَّفيِر لمْ يُكَفَّرْ بذلك كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لكُمْ".
وَهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَفِيهِمَا أيضًا مِن حَدِيثِ الإِفْكِ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ الْحُضَيْرِ قَالَ لسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ:"إِنَّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَن المُنَافِقِينَ وَاخْتَصَمَ الفَرِيقَانِ فَأَصْلَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ فَهَؤُلاءِ البَدْرِيُّونَ فِيهِمْ مَن قَالَ لآخَرَ مِنْهُمْ إِنَّك مُنَافِقٌ وَلَمْ يُكَفِّرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا هَذَا وَلا هَذَا، بَلْ شَهِدَ للْجَمِيعِ بِالجَنَّةِ."
فَهَكَذَا السَّلَفُ قَاتَلَ بَعْضُهُمْ بعضًا مِن أَهْلِ الجَمَلِ وَصِفِّينَ ونَحْوِهِمْ وَكُلُّهُمْ مُسْلمُونَ مُؤْمِنُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ مَعَ اقْتِتَالِهِمْ وَبَغِيِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إِخْوَةٌ مُؤْمِنُونَ وَأَمَرَ بِالإِصْلاحِ بَيْنَهُمْ بِالعَدْلِ. وَلهَذَا كَانَ السَّلَفُ مَعَ الاقْتِتَالِ يُوَالي بَعْضُهُمْ بعضًا مُوَالاةَ الدِّينِ لا يُعَادَوْنَ كَمُعَادَاةِ الكُفَّارِ فَيَقْبَلُ بَعْضُهُمْ شَهَادَةَ بَعْضٍ وَيَأْخُذُ بَعْضُهُمُ العِلْمَ مِن بَعْضٍ، وَيَتَوَارَثُونَ ويَتَنَاكَحُونَ وَيَتَعَامَلُونَ بِمُعَامَلَةِ المُسْلمِينَ بَعْضَهُمْ مَعَ بَعْضٍ مَعَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِن القِتَالِ وَالتَّلاعُنِ وَغَيْرِ ذَلكَ.
وَالنَّاسُ مُضْطَرُّونَ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَقَدْ حُكِيَ عَن مَالكٍ فِيهَا رِوَايَتَانِ وَعَن الشَّافِعِيِّ فِيهَا قَوْلانِ، وَعَن الإِمَامِ أَحْمَدَ أيضًا فِيهَا رِوَايَتَانِ، وَكَذَلكَ أَهَّلُ الكَلامِ فَذَكَرُوا للأَشْعَرِيِّ فِيهَا قَوْلَيْنِ، وَغَالبُ مَذَاهِبِ الأَئِمَّةِ فِيهَا تَفْصِيلٌ، وَحَقِيقَةُ الأَمْرِ فِي ذَلكَ أَنَّ القَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا فَيُطْلَقُ القَوْلُ بِتَكْفِيرِ صَاحَبِهِ وَيُقَالُ: مَن قَالَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ.