فهرس الكتاب
لَكِنَّ الشَّخْصَ المُعِيَّنَ الذي قَالَهُ: لا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا، وَهَذَا كَمَا فِي نُصُوصِ الوَعِيدِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِن نُصُوصِ الوَعِيدِ حَقٌّ لكِنَّ الشَّخْصَ المُعَيَّنَ لا يُشْهَدُ عَلَيْهِ بِالوَعِيدِ فَلا يُشْهَدُ عَلَى مُعَيَّنٍ مِن أَهْلِ القِبْلَةِ بِالنَّارِ لجَوَازِ أَنْ لا يَلْحَقَهُ الوَعِيدُ لفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ ثُبُوتِ مَانِعٍ فَقَدْ لا يَكُونُ التَّحْرِيمُ بَلَغَهُ، وَقَدْ يَتُوبُ مِن فِعْلِ المُحَرَّمِ وَقَدْ تَكُونُ لهُ حَسَنَاتٌ عَظِيمَةٌ تَمْحُوَ عُقُوبَةَ ذَلكَ المُحَرَّمِ.
وَقَدْ يُبْتَلَى بِمَصَائِبَ تُكَفِّرُ عَنْهُ وَقَدْ يَشْفَعُ فِيهِ شَفِيعٌ مُطَاعٌ. وَهَكَذَا الأَقْوَالُ الَّتِي تُكَفِّرُ قَائِلَهَا قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لمْ تَبْلُغْهُ النُّصُوصُ المُوجِبَةُ لمَعْرِفَةِ الحَقِّ، وَقَدْ يَكُونُ بَلَغَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَوْ لمْ يَتَمَكَّنْ مِن فَهْمِهَا، وَقَدْ يَكُونُ عَرَضَتْ لهُ شُبَهَاتٌ يَعْذُرُهُ اللَّهُ بِهَا فَمَنْ كَانَ مِن المُؤْمِنِينَ مُجْتَهِدًا فِي طَلَبِ الحَقِّ وَأَخْطَأَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لهُ خَطَأَهُ كائنًا مَا كَانَ سَوَاءٌ كَانَ فِي المَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ وَالعِلْمِيَّةِ أَوِ المَسَائِلِ الْفُرُوعِيَّةِ العَمَليَّةِ، هَذَا الذي عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الإِسْلامِ.
وَأَمَّا تَفْرِيقُ المَسَائِلِ إِلَى مَسَائِلِ أُصُولٍ يَكْفُرُ بِإِنْكَارِهَا وَمَسَائِلِ فُرُوعٍ لا يَكْفُرُ بِإِنْكَارِهَا، فَهَذَا التَّفْرِيقُ ليْسَ لهُ أَصْلٌ عَن الصَّحَابَةِ وَلا عَن التَّابِعِينَ لهُمْ بِإِحْسَانٍ وَلا أَئِمَّةِ الإِسْلامِ وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ عَن المُعْتَزِلَةِ وَأَمْثَالِهِمْ مِن أَهْلِ البِدَعِ وَعَنْهُمْ تَلَقاهُ مَنْ ذَكَرَهُ مِن الفُقَهَاءِ فِي كُتُبِهِمْ وَهُوَ تَفْرِيقٌ مُتَنَاقِضٌ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ: مَا حَدُّ مَسَائِلِ الأُصُولِ الَّتِي يَكْفُرُ المُخْطِئُ فِيهَا؟ وَمَا الفَاصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسَائِلِ الفُرُوعِ؟ فَإِنْ قَالَ: مَسَائِلُ الأُصُولِ هِيَ مَسَائِلُ الاعْتِقَادِ، وَالفُرُوعُ مسائلُ العَمَلِ قِيلَ له: فتَنَازَعَ النَّاسُ في محمَّدٍ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ هل رَأَى ربَّه أمْ لاَ؟ وفِي أنَّ عُثْمَانَ أفضلُ أمْ عَلِيٌّ أفضلُ؟ وفِي كثيٍر مِن مَعَانِي القرآنِ وتَصْحِيحِ بعضِ الأحاديثِ هِيِ من المَسَائِلِ الاعْتِقَادِيَّةِ لا العِلْمِيَّةِ وَلا كُفْرَ فِيهَا بِالاتِّفَاقِ، وَوُجُوبُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالحَجِّ وَتَحْرِيمُ الفَوَاحِشِ وَالخَمْرِ هِيَ مَسَائِلُ عَمَليَّةٌ وَالمُنْكِرُ لهَا يَكْفُرُ بِالاتِّفَاقِ وَإِنْ قَالَ الأُصُولَ هِيَ المَسَائِلُ القَطْعِيَّةُ؟ قِيلَ لهُ: كَثِير مِن مَسَائِلِ العَمَلِ قَطْعِيَّةٌ وَكَثِيرٌ مِن مَسَائِلِ النَّظَرِ ليْسَتْ قَطْعِيَّةً، وَكَوْنُ المَسْأَلَةِ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً هُوَ مِن الأُمُورِ الإِضَافِيَّةِ وَقَدْ تَكُونُ المَسْأَلَةُ عِنْدَ رِجْلٍ قَطْعِيَّةً لظُهُورِ الدَّليلِ القَاطِعِ لهُ كَمَنْ يَسْمَعُ النَّصَّ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَيَقَّنَ مُرَادُهُ مِنْهُ، وَعِنْدَ رَجُلٍ لا تَكُونُ ظَنِّيَّةً فضلًا عَن أَنْ تَكُونَ قَطْعِيَّةً لعَدَمِ بُلُوغِ النَّصِّ إِيَّاهُ، أَوْ لعَدَمِ ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ أَوْ لعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِن العِلْمِ بِدَلاَلَتِهِ.
وَمَذَاهِبُ الأَئِمَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالعَيْنِ، وَلهَذَا حَكَى طَائِفَةٌ عَنْهُمُ الخِلافَ فِي ذَلكَ وَلَمْ يَفْهَمُوا أَغْوَارَهُمْ فَطَائِفَةٌ تَحْكِي عَن أَحْمَدَ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ البِدَعِ رِوَايَتَيْنِ مطلقًا حَتَّى تَجْعَلَ الخِلافَ فِي تَكْفِيرِ المُرْجِئَةِ وَالشِّيعَةِ المُفَضِّلَةِ لِعَلِيٍّ وَرُبَّمَا رَجَّحَتِ التَّكْفِيرَ وَالتَّخْليدَ.
وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَلا غَيْرِهِ مِن أَئِمَّةِ الإِسْلامِ بَلْ لا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ أَنَّهُ لا يُكَفِّرُ المُرْجِئَةَ الذين يَقُولُونَ: الإِيمَانُ قَوْلٌ بِلا عَمَلٍ وَلا يُكَفِّرُ مَن فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ بَلْ نُصُوصُهُ صَرِيحَةُ بالامْتِنَاعِ مِن تَكْفِيرِ الخَوَارِجِ، وَالقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا