الصفحة 196 من 204

كَانَ يُكَفِّرُ الجَهْمِيَّةَ المُنْكِرِينَ لأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ لأَنَّ مُنَاقَضَةَ أَقْوَالِهِمْ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ؛ وَلأَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ تَعْطِيلُ الخَالِقِ.

وَكَانَ قَدِ ابْتُلِيَ بِهِمْ حَتَّى عَرَفَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ وَأَنَّهُ يَدُورُ عَلَى التَّعْطِيلِ. وَتَكْفِيرُ الجَهْمِيّةِ مَشْهُورٌ عَن السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ، لكِنْ مَا كَانَ يُكَفِّرُ أَعْيَانَهُمْ فَإِنَّ الذي يَدْعُو إِلَى القَوْلِ أَعْظَمُ مِن الذي يَقُولُ بِهِ وَالذي يُعَاقَبُ مُخَالَفَةً أَعْظَمُ مِن الذي يَدْعُو فَقَطْ وَالذي يَكْفُرُ مُخَالَفَةً أَعْظَمُ مِن الذي يُعَاقِبُهُ.

وَمَعَ هَذَا فَالذين كَانُوا مِن وُلاةِ الأُمُورِ يَقُولُونَ بِقَوْلِ الجَهْمِيِّةِ: إِنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ. وَأَنَّ اللَّهَ لا يُرَى فِي الآخِرَةِ وَغَيْرِ ذَلكَ وَيَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى ذَلكَ وَيَمْتَحِنُونَهُمْ وَيُعَاقِبُونَهُمْ إِذَا لمْ يُجِيبُوهُمْ وَيُكَفِّرُونَ مَن لمْ يُجِبْهُمْ حَتَّى إِنَّهُمْ إِذَا افْتَكُّوا الأَسِيرَ لا يُطْلِقُونَهُ حَتَّى يُقِرَّ بِقَوْلِ الجَهْمِيِّةِ أَنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ وَغَيْرِ ذَلكَ وَلا يُولُونَ مُتولِّيًا وَلا يُعْطُونَ رزقًا مِن بَيْتِ المَالِ إِلا لمَنْ يَقُولُ ذَلكَ، وَمَعَ هَذَا فَالإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ وَاسْتَغْفَرَ لهُمْ لعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لمْ يَتَبَيَّنْ لهُمْ أَنَّهُمْ مُكَذِّبُونَ للرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا جَاحِدُونَ لِمَا جَاءَ بِهِ لكِنْ تَأَوَّلُوا فَأَخْطَأُوا وَقَلَّدُوا مَن قَالَ لهُمْ ذَلكَ.

وَكَذَلكَ الشَّافِعِيُّ لمَا قَالَ لِحفْصٍ الفَرْدِ حِينَ قَالَ: القُرْآنُ مَخْلُوقٌ كَفَرْتَ بِاللَّهِ العَظِيمِ بَيَّنَ لهُ أَنَّ هَذَا القَوْلَ كُفْرٌ وَلَمْ يَحْكُمْ بِرِدَّةِ حَفْصٍ بِمُجَرَّدِ ذَلكَ؛ لأَنَّهُ لمْ يَتَبَيَّنْ لهُ بَعْدُ الحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ بِهَا وَلَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ لسَعَى فِي قَتْلِهِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي كُتُبِهِ بِقَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَالصَّلاةِ خَلْفَهُمْ.

وَكَذَلكَ قَالَ مَالكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الْقَدَرِيِّ إِنْ جَحَدَ عِلْمَ اللَّهِ كَفَرَ، وَلَفْظُ بَعْضِهِمْ: نَاظِرُوا القَدَرِيَّةَ بِالعِلْمِ فَإِنْ أَقَرُّوا بِهِ خَصَمُوا وَإِنْ جَحَدُوهُ كَفَرُوا وَسُئِلَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَن الْقَدَرِيِّ هَلْ يَكْفُرُ؟ قَالَ إِنْ جَحَدَ العِلْمَ كَفَرَ وَحِينَئِذٍ فَجَاحِدُ العِلْمِ هُوَ مِن جِنْسِ الجَهْمِيِّةِ.

وَأَمَّا قَتْلُ الدَّاعِيَةِ إِلَى البِدَعِ فَقَدْ يُقْتَلُ لكَفِّ ضَرَرِهِ عَن النَّاسِ كَمَا يُقْتَلُ المُحَارِبُ وَإِنْ لمْ يَكُنْ فِي نَفْسِ الأَمْرِ كافرًا فَلَيْسَ كُلُّ مَن أُمِرَ بِقَتْلِهِ يَكُونُ قَتْلُهُ لرِدَّتِهِ.

وَعَلَى هَذَا قُتِلَ غَيْلانُ القَدَرِيُّ وَغَيْرُهُ قَدْ يَكُونُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ.

وَأَمَّا الرَّافِضَةُ وَتَفْصِيلُ القَوْلِ فِيهِمْ"فَمَنْ اقْتَرَنَ بِسَبِّهِ دَعْوَى أَنَّ عَلِيًّا إِلَهٌ أَوْ أَنَّهُ هُوَ النَّبِيُّ وَإِنَّمَا غَلَطَ جِبْرِيلُ فِي الرِّسَالَةِ فَهَذَا لا شَكَّ فِي كُفْرِهِ بَلْ لا شَكَّ فِي كُفْرِ مَن تَوَقَّفَ فِي تَكْفِيرِهِ، وَكَذَلكَ مَن زَعَمَ مِنْهُمْ أَنَّ القُرْآنَ نَقَصَ مِنْهُ آيَاتٌ وَكُتِمَتْ أَوْ زَعَمَ أَنَّ لهُ تَأْوِيلاتٍ بَاطِنَةً تُسْقِطُ الأَعْمَالَ المَشْرُوعَةَ وَنَحْوَ هَذَا، وَهَؤُلاءِ يُسَمَّوْنَ القَرَامِطَةَ وَالبَاطِنِيَّةَ وَمِنْهُمُ التَّنَاسُخِيَّةُ وَهَؤُلاءِ لا خِلافَ فِي كُفْرِهِمْ."

وَأَمَّا مَن سَبَّهُمْ سبًّا لا يَقْدَحُ عَدَالَتَهُمْ وَلا فِي دِينِهِمْ مِثْلَ وَصْفِ بَعْضِهِمْ بِالبُخْلِ أَوِ الجُبْنِ أَوْ قِلَّةِ العِلْمِ أَوْ عَدَمِ الزَّاهِدِ وَنَحْوِ ذَلكَ فَهَذَا هُوَ الذي يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ وَالتَّعْزِيزَ وَلا نَحْكُمُ بِكُفْرِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت