الصفحة 197 من 204

وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلامُ مَن لمْ يُكَفِّرْهُمْ مِن أَهْلِ العِلْمِ. وَأَمَّا مَن لَعَنَ وَقَبَّحَ مُطلقًا فَهَذَا مَحَلُّ الخِلافِ فِيهِمْ لتَرَدُّدِ الأَمْرِ بَيْنَ لعْنِ الغَيْظِ وَلَعْن الاعْتِقَادِ.

وَأَمَّا مَن جَاوَزَ ذَلكَ إِلَى أَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ ارْتَدُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا نَفَرًا قليلًا لا يَبْلُغُونَ بِضْعَةَ عَشَرَ نفسًا أَوْ أَنَّهُمْ فَسَّقُوا عَامَّتَهُمْ.

فَهَذَا لا رَيْبَ أيضًا فِي كُفْرِهِ؛ لأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِمَا نَصَّهُ القُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن الرِّضَا عَنْهُمْ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ. بَل مَن يَشُكُّ فِي كُفْرٍ مِثْلِ هَذَا فَإِنَّ كُفْرَهُ مُتَعَيَّنٌ. فَإِنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ المَقَالَةِ أَنَّ نَقَلَةَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كُفَّارٌ، أَوْ فُسَّاقٌ.

وَأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي هِيَ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ} وَخَيْرُهَا هُوَ القَرْنُ الأَوَّلُ كَانَ عَامَّتُهُمْ كُفَّارًا أَوْ فُسَّاقًا. وَمَضْمُونُهَا أَنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ شَرُّ الأُمَمِ وَأَنَّ سَابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ هُمْ شِرَارُهَا.

وَكُفْرُ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالاضْطِرَارِ مِن دِينِ الإِسْلامِ. وَلهَذَا نَجِدُ عَامَّةَ مَن ظَهَرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأَقْوَالِ فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ وَعَامَّةُ الزَّنَادِقَةِ إِنَّمَا يَسْتَتِرُونَ بِمَذْهَبِهِمْ وَقَدْ ظَهَرَتْ فِيهِمْ مُثُلاتٌ.

وَتَوَاتَرَ النَّقْلُ بِأَنَّ وُجُوهَهُمْ تُمْسَخُ خَنَازِيرَ فِي المَحْيَا وَالمَمَاتِ. وَجَمَعَ العُلَمَاءُ مَا بَلَغَهُمْ فِي ذَلكَ وَبِالجُمْلَةِ فَمِن أَصْنَافِ السَّابَّةِ مَن لا رَيْبَ فِي كُفْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَن تَرَدَّدَ.

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"لا يَزِنِّي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ"إِلَخْ هَذَا الحَدِيثُ خَرَّجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي آخِرِهِ:"وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ".

وَزَادَ مُسْلمٌ وَلا:"يَغُلُّ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ"وَزَادَ أَبُو بَكْرٍ البَزَّارُ فِي المُسْنَدِ:"مِنْهُ يُنْزَعُ الإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ".

فَهَذَا الحَدِيثُ يَرُدُّ قَوْلَ المُرْجِئَةِ والجَهْمِيِّةِ وَمَن اتَّبَعَهُمْ مِن الكَرَّامِيَّةِ والأَشْعَرِبَّةِ الذين يَقُولُونَ: إِنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الإِيمَانِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الإِيمَانَ لا يُتَفَاضَلُ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَزُولَ بِالكُليَّةِ أَوْ يَبْقَى كاملًا. وَقَوْلُهُمْ ظَاهِرُ البُطْلانِ.

فَقَدْ دَلَّ الحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَ وَالسَّارِقَ وَشَارِبَ الخَمْرِ حِينَ فِعْلِهِمُ المَعْصِيَةَ فَقَدْ انْتَفَى الإِيمَانُ عَنْهُمْ. وَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ الكَثِيرَةُ مِن الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مُرْتَدِّينَ بِذَلكَ فَعُلِمَ أَنَّ الإِيمَانَ المَنْفِيَّ فِي هَذَا الحَدِيثِ وَغَيْرِهِ إِنَّمَا هُوَ كَمَا الإِيمَانُ الوَاجِبُ.

"فَإِنَّ أَصْلَ الإِيمَانِ التَّصْدِيقُ وَالانْقِيَادُ. فَهَذَا أَصْلُ الإِيمَانِ الذي مَن لمْ يَأْتِ بِهِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. وَقَدْ تَوَاتَرَ فِي الأَحَادِيثِ:"أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٌ وَالإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلاهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ""

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت