الصفحة 198 من 204

فَعُلِمَ أَنَّ الإِيمَانَ يَقْبَلُ التَّبْعِيضَ وَالتَّجْزِئَةَ وَأَنَّ قَليلَهُ يَخْرُجُ بِهِ صَاحِبُهُ مِن النَّارِ وَإِنْ دَخَلَهَا، وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُهُ الخَارِجُونَ عَن مَقَالَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ لا يَقْبَلُ التَّبْعِيضَ وَالتَّجْزِئَةَ بَلْ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ إِمَّا أَنْ يَحْصُلَ كُلَّهُ وَإِمَّا أَنْ لا يَحْصُلَ مِنْهُ شَيْءٌ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ"الحَدِيثَ فَفِي الإِيمَانِ الوَاجِبِ عَنْهُ الذي يَسْتَحِقُّ بِهِ الجَنَّةَ وَلا يَسْتَلْزِمُ ذَلكَ نَفْيَ أَصْلِ الإِيمَانِ وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ وَشُعَبِهِ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: نَفْيُ كَمَالِ الإِيمَانِ.

وَحَقِيقَةُ ذَلك أنَّ الكَمَالَ الوَاجِبَ ليْسَ هُوَ الكَمَالَ المُسْتَحَبَ المذكورَ فِي قَوْلِ الفقهاءِ الغُسْلَُ كاملٌ ومُجْزِئٌ. ومِنه قولُه عليهِ السَّلامُ: مَن غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ليسَ المرادُ به أنَّه كافِرٌ كمَا تَأَوَّلتْه الخوارجُ ولا أنَّه ليسَ مِن خِيارِنَا كما تَأَوَّلَتْهُ المُرْجِئَةُ وَلَكِنَّ المُضْمَرَ يُطَابِقُ الْمُظْهَرَ وَالْمُظْهَرُ هُمْ المُؤْمِنُونَ المُسْتَحِقُّونَ للثَّوَابِ السَّالِمُونَ مِن العَذَابِ وَالفَاسِقُ ليْسَ مِنَّا؛ لأَنَّهُ مُتَعَرِّضٌ لعَذَابِ اللَّهِ وَسَخطِهِ."فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَنْفِي اسْمَ أَمْرٍ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ إِلا إِذَا تَرَكَ وَاجِبَاتِهِ كَقَوْلِهِ:"لا صَلاةَ إِلا بِأُمِّ القُرْآنِ"وَقَوْلُهُ:"لاَ إِيْمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لهُ وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لهُ". وَنَحْوُ ذَلكَ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الفِعْلُ مُسْتَحَبًّا فِي العِبَادَةِ لمْ يَنْفِهَا الانْتِفَاءُ المُسْتَحَبُّ فَإِنَّ هَذَا لوْ جَازَ لجَازَ أَنْ يُنْفَى مِن جُمْهُورِ المُؤْمِنِينَ اسْمُ الإِيمَانِ وَالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ؛ لأَنَّهُ مَا مِن عَمَلٍ إِلا وَغَيْرُهُ أَفْضَلَ مِنْهُ."

وَلَيْسَ أَحَدٌ يَفْعَلُ أَفْعَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ وَلا أَبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ فَلَوْ كَانَ مَن لمْ يَأْتِ بِكَمَالِهَا المُسْتَحَبِّ يَجُوزُ نَفْيُهَا عَنْهُ لجَازَ أَنْ يُنْفَى عَن جُمْهُورِ المُسْلمِينَ مِن الأَوَّلينَ وَالآخِرِينَ.

وَهَذَا لا يَقُولُهُ عَاقِلٌ فَمَنْ قَالَ: إِنَّ المَنْفِيَّ هُوَ الكَمَالُ فَإِنْ أَرَادَ الكَمَالَ الذي يُذَمُّ تَارِكُهُ وَيَتَعَرَّضُ للْعُقُوبَةِ فَقَدْ صَدَقَ.

وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ نَفْيُ الكَمَالِ المُسْتَحَبِّ فَهَذَا لمْ يَقَعْ قَطُّ فِي كَلامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فَإِنَّ مَن فَعَلَ الوَاجِبَ كَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْتَقِصْ مِن وَاجِبِهِ شَيْئًا لمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: مَا فَعَلْتُهُ لا حَقِيقَةً وَلا مجازًا فَاسْمُ الإِيمَانِ إِذَا أُطْلِقَ فِي كَلامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَنَى الإِيمَانَ فَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَرَكَ واجبًا أَوْ فَعَلَ مُحَرَّمًا فَلا يَدْخُلُ فِي الاسْمِ الذي يَسْتَحِقُّ أَهْلُهُ الوَعْدَ دُونَ الوَعِيدِ، بَلْ يَكُونُ مِن أَهْلِ الوَعِيدِ.

"وَالخَوَارِجُ وَمَن يَذْهَبُ مَذْهَبَهُمْ مِمَّنْ يُكَفِّرُ المُسْلمِينَ بِالذُّنُوبِ يَحْتَجُّونَ بِالحَدِيثِ وَيَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ. وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَ العُلَمَاءِ عَلَى وَجْهَيْنِ:"

(أَحَدُهُمَا) أَنَّ مَعْنَاهُ النَّهْيُ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ الخَبَرِ يُرِيدُ: لا يَزْنِ الزَّانِي بِحَذْفِ اليَاءِ: وَلا يَسْرِقِ السَّارِقُ بِكَسْرِ القَافِ عَلَى مَعْنَى النَّهْيِ يَقُولُ: إِذْ هُوَ مُؤْمِنٌ لا يَزْنِي وَلا يَسْرِقُ وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ فَإِنَّ هَذِهِ الأَفْعَالَ لا تَليقُ بِالمُؤْمِنِينَ وَلا تُشْبِهُ أَوْصَافهمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت