الصفحة 199 من 204

(وَالْوَجْهُ الآخَرُ) إِنَّ هَذَا كَلامُ وَعِيدٍ لا يُرَادُ بِهِ الإِيقَاعُ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ كَقَوْلهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ". هَذَا كُلُّهُ عَلَى مَعْنَى الزَّجْرِ وَالوَعِيدِ أَوْ نَفْيِ الفَضِيلَةِ وَسَلْبِ الكَمَالِ دُونَ الحَقِيقَةِ فِي رَفْعِ الإِيمَانِ وَإِبْطَالِهِ.

قَوْلُهُ:"وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ"إِلَخْ"النُّهْبَةُ بِضَمِّ النُّونِ المَنْهُوبُ وَقَوْلُهِ: ذَاتَ شَرَفٍ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَاهُ: ذَاتَ قَدْرٍ عَظِيمٍ. وَقِيلَ: ذَاتَ اسْتِشْرَافٍ يَسْتَشْرِفُ النَّاسُ لهَا نَاظِرِينَ إِلَيْهَا رَافِعِينَ أَبْصَارَهُمْ."

قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، وَكَذَا قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ فِي كِتَابِ مُسْلمٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أيضًا ذَاتَ قَدْرٍ عَظِيمٍ فَالرِّوَايَتَانِ حِينَئِذٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ"بَل الفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإِيمَانِ المُطْلَقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} "

وَقَدْ لا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الإِيمَانِ المُطْلَقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الآيَةَ.

فَإِنَّ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً وَإِنْ كَانَ المُعَتِقُ فاسقًا فِيمَا يُشْتَرَطُ فِي العِتْقِ فِيهِ إِيمَانُ الرَّقَبَةِ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالقَتْلِ وَاليَمِينِ أَجَزَّأَتْ بِاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ.

فَقَدْ دَخَلَتْ فِي اسْمِ الإِيمَانِ المُطْلَقِ وَإِنْ لمْ تَكُنْ مِن أَهْلِ الإِيمَانِ الكَامِلِ الذي يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الثَّنَاءَ وَالمَدْحَ وَهُمُ المُؤْمِنُونَ حقًا.

فَالفَاسِقُ ليْسَ مِن المُؤْمِنِينَ الذين وُصِفُوا بِأَنَّهُمْ: {إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُليَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} .

"وَاخْتُلِفَ فِي مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ قَوْلانِ لأَهْلِ السُّنَّةِ هَلْ يُسَمَّى مؤمنًا نَاقِصَ الإِيمَانِ؟ أَوْ يُقَالُ: ليْسَ بِمُؤْمِنٍ لكِنَّهُ مُسْلمٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَدَ."وَحَقِيقَةُ الأَمْرِ أَنَّ مَن لمْ يَكُنْ مِن المُؤْمِنِينَ حقًا يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَمَعَهُ إِيمَانٌ يَمْنَعُهُ الخُلُودَ فِي النَّارِ.

وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ لكِنْ هَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الإِيمَانِ؟ هَذَا هُوَ الذي تَنَازَعُوا فِيهِ فَقِيلَ: يُقَالُ: مُسْلمٌ وَلا يُقَالُ: مُؤْمِنٌ، وَقِيلَ: بَلْ يُقَالُ: مُؤْمِنٌ.

وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الإِيمَانِ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ وَلا يُعْطَى الاسْمَ المُطْلَقَ فَإِنَّ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ نَفَيَا عَنْهُ الاسْمَ المُطْلَقَ، وَاسْمُ الإِيمَانِ يَتَنَاوَلُهُ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُه لأَنَّ ذَلكَ إِيجَابٌ عَلَيْهِ وَتَحْرِيمٌ عَلَيْهِ وَهُوَ لازِمٌ لهُ كَمَا يُلْزِمُ غَيْرَهُ وَإِنَّمَا الكَلامُ فِي المَدْحِ المُطْلَقِ وَعَلَى هَذَا فَالخِطَابُ بِالإِيمَانِ يَدْخُلُ فِيهِ ثَلاثُ طَوَائِفَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُ حقًّا، وَيَدْخُلُ فِيهِ المُنَافِقُ فِي أَحْكَامِهِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الآخِرَةِ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِن النَّارِ وَهُوَ فِي البَاطِنِ يُنْفَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت