(( الحَمْدُ للهِ الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفَى باللهِ شَهِيدًا ) ).
قالَ تعَالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} . (( والحمدُ إخبارٌ عن مَحَاسِنِ المحمودِ مَعَ حُبِّهِ وتعظيمِهِ وإجلالِهِ، وقالَ العَلَّامةُ ابنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: وإثباتُ الحمدِ الكاملِ له يقتضي ثُبُوتَ كُلِّ ما يُحْمَدُ عليه مِنْ صفاتِ كمالِهِ ونُعُوتِ جلالِهِ، إذْ مَن عُدِمَ صفاتِ الكمالِ فلَيْسَ بمحمودٍ على الإطلاقِ، وغايتُهُ أنَّهُ محمودٌ مِنْ وَجْهٍ دونَ وَجْهٍ ولا يكونُ محمودًا مِنْ كُلِّ وجهٍ وبِكُلِّ اعْتِبَارٍ بجميعِ أنواعِ الحمدِ إلاَّ مَنِ استولَى على صفاتِ الكمالِ جميعِهَا، فَلَوْ عَدِمَ منها صفَةً واحدةً لنَقَصَ مِن حمْدِهِ بحَسَبِهَا.
وقالَ الشَّيْخُ: والحمدُ نَوعانِ: حمْدٌ على إحسانِهِ إلى عِبادِهِ وهو مِنَ الشُّكْرِ، وحمْدٌ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ هو بنفْسِهِ مِن نُعوتِ كمالِهِ. وهذا الحمدُ لا يكونُ إلاَّ على ما هو في نفْسِهِ مُسْتَحِقٌّ لِلحمْدِ، وإنَّما يَسْتَحِقُّ ذلك مَنْ هو متَّصِفٌ بصِفاتِ الكمالِ، وَهِيَ أمورٌ وُجوديَّةٌ. فإنَّ الأُمورَ العدَميَّةَ المَحْضةَ لا حمْدَ فيها ولا خيْرَ ولا كمالَ. ومعلومٌ أنَّ كُلَّ ما يُحْمَدُ فإنَّما يُحْمَدُ على ما له مِن صفاتِ الكمالِ، فَكُلُّ ما يُحْمَدُ به الْخَلْقُ فهو مِنَ الخالِقِ. والذي منه ما يُحْمَدُ عليه هو أحَقُّ بالحمْدِ. فثَبَتَ أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلمَحامِدِ الكامِلةِ، وهو أحَقُّّ مِن كُلِّ محمودٍ اهـ.
قولُهُ: {الذي أرْسَلَ رَسولَهُ} . يعنِي مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عَليْهِ وسلَّمَ، والرَّسولُ هو إنسانٌ ذَكَرٌ أُوحِيَ إليه بشَرْعٍ وأُمِرَ بتبليغِهِ، فإنْ أُوحِيَ إليه ولم يُؤمَرْ بالتَّبليغِ فهو نَبِيٌّ."والهُدَى". هو ما جَاءَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عَليْهِ وسلَّمَ مِنَ الشَّرْعِ القَوِيمِ، والدِّينِ الكامِلِ، وما أُنْزِلَ عليه مِنَ القرآنِ الذي به حياةُ القُلوبِ وهِدَايةُ الخَلْقِ، قَالَ ابنُ كَثِيرٍ: الهُدى هو ما جَاءَ به النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْإخْبارَاتِ الصَّادِقةِ، والإيمانِ الصَّحِيحِ، والعِلْمِ النَّافِعِ، والعمَلِ الصَّالحِ. فإنَّ الشَّريعةَ تشتمِلُ على شَيْئَيْنِ: عِلْمٌ، وعَمَلٌ. فالعِلْمُ الشَّرْعِيُّ صحيحٌ، والعمَلُ الشَّرْعيُّ مقبولٌ فإخباراتُها حقٌّ، وإنشاءَاتُها عَدْلٌ؛"لِيُظهرَهُ". لِيُعْليَهُ على الدِّينِ كُلِّهِ، أيْ: على أهْلِ جميعِ الأديانِ مِنْ أهْلِ الأرضِ مِن عَرَبٍ وعَجَمٍ، وَمِلِّيِّينَ ومُشْرِكينَ،"وكفَى باللَّهِ شهيدًا". أَيْ: أنَّهُ نَاصِرَهُ.
وقالَ ابنُ القَيِّمِ: فقدْ تكفَّلَ اللَّهُ لِهذا الأمرِ بالتَّمامِ والإظهارِ على جميعِ أديانِ أهلِ الأرضِ. فَفِي هذا تقْوِيةٌ لِقُلوبِهِمْ، وبِشَارةٌ لَهُمْ، وتثْبِيتٌ لَهُمْ، وأنْ يكونوا على ثِقَةٍ مِن هذا الوَعدِ الذي لا بُدَّ أنْ يُنجِزَهُ فَلا تَظُنُّوا ما وَقَعَ مِنَ الْإِغْمَاضِ والقَهْرِ يَوْمَ الحُدَيْبِيةِ نُصْرةً لِعَدُوِّهِ ولا تخَلِّيًا عَن رَسُولِهِ ودِينِهِ. كيفَ وقدْ أرسلَهُ بِدِينِهِ الحَقِّ، ووَعدَهُ أَن يُظْهِرَهُ على كُلِّ دِينٍ سِوَاهُ. اهـ.
(( وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ إِقْرَارًا بِه وتَوْحِيدًا ) )أيْ: أشهدُ شَهادةً عن عِلْمٍ ويقِينٍ وعَمَلٍ بمَدْلولِ هذه الكلمةِ العظيمةِ ومُقْتضاها مِن إثباتِ الوَحْدَانيَّةِ للهِ، فكَمَا أنَّه واحِدٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، وتَدْبيرِهِ لِلكَوْنِ، فكذلك هو واحدٌ في إلهِيَّتِهِ، وهو المستحِقُّ لِأَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ لا شريكَ له، وأنْ يُفْرَدَ بصِفاتِ الكمالِ، ونُعُوتِ الجَلالِ، وأنْ يُنَزَّهَ عن كُلِّ نقْصٍ وعَيْبٍ.
وفي قولِهِ:"وحْدَهُ"تأكيدٌ للإثْباتِ، وقولِهِ:"لا شريكَ له". تأكيدٌ للنَّفْي، قالَهُ الحافِظُ. وقَالَ أيضًا: وحْدَهُ لا شريكَ له تأكيدًا بعدَ تأكيدٍ اهْتِمَامًا بمَقامِ التَّوْحيدِ.
وقدْ شهِدَ اللهُ لنفْسِهِ بالوحدانيَّةِ.
في قولِهِ: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .