الصفحة 52 من 204

فقدْ تضمَّنَتْ هذه الآيةُ الكريمةُ: إثباتَ حقيقةِ التوحيدِ، والرَدَّ على جميعِ طوائفِ الضَّلالِ، فتضمَّنَتْ أَجَلَّ شَهادةٍ وأعظْمَها وأعْدَلَها وأصْدَقَها مِن أَجَلِّ شاهِدٍ بأَجَلِّ مَشهودٍ به، وعِباراتُ السَّلَفِ في (شَهِدَ) تَدورُ على الحُكْمِ والقضاءِ وَالإعلامِ والبيانِ، والإخبارِ. وهذه الأقوالُ كلُّها حقٌّ لا تنافِيَ بَيْنَها، فإنَّ الشَّهَادةَ تتضمَّنُ كلامَ الشَّاهدِ وخَبَرَهُ، وتتضمَّنُ إعلامَهُ وإخبارَهُ وبيانَهُ، فلها أربعُ مَراتِبَ:

(فأوَّلُ مَراتِبِها) عِلْمٌ، ومَعْرِفَةٌ، واعتِقادٌ لِصِحَّةِ المَشهودِ به وثُبُوتِهِ.

(وثانِيها) تكلُّمُهُ بذلك، وإنْ لم يَعْلَمْ به غيرُهُ، بلْ يتكلَّمُ بِها مَعَ نفْسِهِ، ويتذكَّرُها وينطِقُ بها أو يكتُبُها.

(وثالِثُها) أنْ يُعْلِمَ غيرَهُ بِما يَشهدُ بهِ ويُخْبِرَهُ به، ويُبَيِّنَهُ له.

(ورابِعُها) أنْ يُلْزِمَهُ بمَضمُونِها، ويأْمُرَهُ به، فشهادةُ اللهِ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ بالوحدانيَّةِ والقيامِ بالقِسْطِ تضمَّنَتْ هذه المَرَاتِبَ الأربعَ: عِلْمَهُ بذلك سبحانَهُ، وتكلُّمَهُ به، وإخبارَهُ لخَلْقِهِ به، وأمْرَهُمْ وإلزامَهُمْ به.

أمَّا مَرْتَبَةُ العِلْمِ فإنَّ الشَّهادةَ تتضمَّنُها ضَرورةً، وإلَّا كان الشَّاهِدُ شاهِدًا بما لا عِلْمَ له به، قَالَ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . وقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"على مِثْلِهَا فاشْهَدْ"وأشَارَ إلى الشَّمْسِ.

وأمَّا مَرْتَبةُ التَّكَلُّمِ والخَبَرِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} . فجُعِلَ ذلك منهم شَهادةً، وإنْ لم يتلفَّظُوا بلَفْظِ الشَّهَادةِ، ولم يُؤَدُّوها عندَ غيرِهِمْ.

وأمَّا مرتبةُ الإعلامِ والإخبارِ فنَوْعانِ: إعلامٌ بالقولِ، وإعلامٌ بالفعلِ، وهذا شأنُ كُلِّ مُعْلِمٍ لغيرِهِ بأمْرٍ، تارَةً يُعْلِمُهُ به بِقوْلٍ، وتارةً بفِعْلٍ، ولهذا كان مَن جَعَلَ دارَهُ مسجدًا وأبْرَزَها، وفتَحَ طريقَها، وأَذِنَ للناسِ بالدُّخولِ والصَّلاةِ فيها، مُعْلِمًا أنَّها وَقْفٌ وإنْ لم يتلفَّظْ به، وكذلك مَنْ وُجِدَ متقَرِّبًا إلى غيرِهِ بأنواعِ المَسارِ يكونُ مُعْلِمًا له ولغيرِهِ أنه يُحِبُّهُ، وإن لم يتلفَّظْ بقوْلِهِ، وكذلك بالعكسِ.

وكذلك شهادةُ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ، وبيانُهُ، وإعلامُهُ يكون بقوْلِهِ تارةً، وبفِعْلِهِ أُخرى، فالقوْلُ ما أرَسَلَ به رُسلَهُ وأنزَلَ به كُتُبَهُ.

وأمَّا بيانُهُ وإعلامُهُ بفِعْلِهِ، فكَمَا قاله ابنُ كَيْسَانَ: شَهِدَ اللَّهُ بتَدْبيرِهِ العجيبِ، وأمورِهِ المُحْكَمَةِ عِند خَلْقِهِ أنَّه لاَ إلهَ إلَّا هو. وقَالَ آخَرُ:

وَفِي كُلِّ شَيءٍ له آيةٌ ... تدُلُّ على أنَّه وَاحِدُ

ومِمَّا يدُلُّ على أنَّ الشَّهادةَ تكونُ بالفِعْلِ قولُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} ، فهذه شَهادةٌ منهم على أنفُسِهِمْ بما يَفعلُونَهُ، والمقصودُ أنَّه سبحانَهُ يَشْهَدُ بما جعَلَ آياتِهِ المَخلُوقاتِ دالَّةً عليه، ودَلالَتُها إنَّما هي بخَلْقِهِ وجَعْلِهِ.

وأمَّا مرتبةُ الأمرِ بذلك، والإلزامِ به، وأنَّ مُجَرَّدَ الشَّهادةِ لا يستلْزِمُهُ، لكنَّ الشَّهادةَ في هذا الموضعِ تدُلُّ عليه وتتضمَّنُهُ. فإنَّه سبحانَهُ شَهِدَ به شهادةَ مَنْ حَكَمَ به وَقَضَى، وأَمَرَ، وألْزَمَ عِبادَهُ كما قَالَ تَعَالَى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت