إِحْسَانًا. وقَالَ اللهُ تَعَالَى: {لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ} . وقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} ، {لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا} ، {لاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} .
والقرآنُ كلُّه شاهِدٌ بذلك، ووَجْهُ استِلْزَامِ شَهادَتِهِ سبحانَهُ لذلك أنَّه إذا شَهِدَ أنَّه لاَ إِلهَ إلَّا هو، فقدْ أخْبَرَ ونَبَّأَ وأَعْلَمَ وحَكَمَ وقَضَى أنَّه ما سِوَاهُ لَيْسَ بإلهٍ، وأنَّ إلهيَّةَ ما سِواهُ باطِلةٌ، فلا يستحِقُّ العِبادةَ سِواهُ، كما لا تصلُحُ الإلهيَّةُ لغيرِهِ، وذلك يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ باتِّخاذِهِ وحدَهُ إلهًا، والنَّهْيَ عن اتِّخاذِ غيرِهِ معه إلهًا، وهذا يَفهمُهُ المُخَاطَبُ من هذا النَّفْيِ والإثباتِ، فاللهُ سُبحانه لا شَريكَ له في أيِّ نوْعٍ من أنواعِ التَّوْحِيدِ.
والتَّوْحِيدُ نَوْعانِ: نَوْعٌ في العِلْمِ والاعْتِقادِ، ونَوْعٌ في الإرادةِ والقَصْدِ، ويُسمَّى الأوَّلُ: التَّوْحِيدَ العِلْمِيَّ، والثَّاني: التَّوْحِيدَ القَصْدِيَّ الإرادِيَّ؛ لِتعلُّقِ الأوَّلِ بالأخبارِ والمعرفةِ، والثَّاني بالقَصْدِ والإرادةِ، وهذا الثَّاني أيضًا نوْعانِ: توحيدٌ في الرُّبوبيَّةِ، وتوحيدٌ في الإلهيَّةِ. فهذه ثلاثةُ أنواعٍ. قَالَ ابنُ القيِّمِ: وأمَّا التَّوْحِيدُ الذي دَعتْ إليه الرُّسُلُ، ونزلَتْ بهِ الكُتُبُ فهو نَوْعانِ: توحيدٌ في المعرفةِ والإثباتِ، وتوحيدٌ في الطَّلَبِ والقَصْدِ. فالأوَّلُ: هو إثباتُ حقيقةِ ذاتِ الرَّبِّ تَعَالَى، وصِفاتِهِ، وأفْعالِهِ، وأسْمائِهِ، وتكَلُّمِهِ بكُتُبِهِ وتكْلِيمِهِ لِمَن شاءَ مِن عِبادِهِ، وإثباتِ عُمومِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ وحِكْمَتِهِ، وقدْ أفْصَحَ القُرْآنُ عن هذا النوعِ جِدَّ الإفْصاحِ، كما في أَوَّلِ سُورةِ الحَديدِ، وسُورةِ طه، وآخِرِ سُورةِ الحشرِ، وأوَّلِ"تنزيلُ"السجدةِ، وأوَّلِ آلِ عِمْرانَ، وسُورةِ الإخْلاصِ بكَمَالِها وغيرِ ذلك.
النَّوْعُ الثَّاني: ما تضمَّنَتْهُ سُورةُ {قُلْ يأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} وأَوَّلُ سُورةِ"تنزيلُ الكتابِ"، وآخِرُها، وأوَّلُ سُورةِ المُؤْمِنِ، ووسَطُها وآخِرُها، وأوَّلُ سُورةِ الأعرافِ وآخِرُها، وجُمْلَةُ سُورةِ الأنْعامِ، وغَالِبُ سُوَرِ القرآنِ، بلْ كُلُّ سُورةٍ في القرآنِ فهي متضَمِّنَةٌ لِنَوْعَيِ التَّوْحِيدِ، شاهِدَةٌ به، داعِيَةٌ إليه. فإنَّ القرآنَ إمَّا خَبَرٌ عن اللَّهِ وأسمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأقْوالِهِ، فهو التَّوْحِيدُ العِلْمِيُّ الخَبَرِيُّ، وإمَّا دعْوةٌ إلى عِبادةِ اللَّهِ وحْدَهُ لا شريكَ له، وخَلْعُ عِبادةِ ما يُعْبَدُ من دُونِهِ، فهو التَّوْحِيدُ الإراديُّ الطَّلَبيُّ، وإمَّا أمْرٌ، ونَهْيٌ، وإلْزَامٌ بِطاعتِهِ وأمْرِهِ ونهْيِهِ، فهوَ مِن حُقوقِ التَّوْحِيدِ ومُكَمِّلاتِهِ، وإمَّا خَبَرٌ عن إكْرامِ أهْلِ التَّوْحِيدِ، وما فَعَلَ بهم في الدُّنْيَا، وما يُكْرِمُهمْ به في الآخِرةِ فهو جزاءُ توحيدِهِ، وإمَّا خَبَرٌ عن أهْلِ الشِّرْكِ وما فَعَلَ بهم في الدُّنْيَا مِن النَّكالِ، وما يَحِلُّ بهم في العُقْبى مِن العذابِ فهو جزاءُ مَن خَرَجَ عن حُكْمِ التَّوْحِيدِ. فالقرآنُ كلُّه في التَّوْحِيدِ وحُقوقِهِ وجزائِهِ، وفي شأْنِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ وجزائِهِم. اهـ.
{وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا} .
رُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قَالَ:"كُلُّ كلامٍ لا يُبدأُ فيه بحمْدِ اللهِ والصَّلاةِ علَيَّ فهو أقطَعُ أَبْتَرُ، مَمْحُوقُ البَركةِ". ومِن مَواطِنِ الصَّلاةِ عليْه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةُ عليْه عندَ كُلِّ كلامِ خَيْرٍ ذِي بالٍ، فإنَّهُ يُبْتدأُ بحمْدِ اللهِ والثَّنَاءِ عليه، ثُم بالصَّلاةِ على رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم يذْكُرُ كَلامَهُ بَعْدَ ذلك.
وأعْلَى ما يُوصَفُ به العبدُ مَرْتبةُ العُبوديَّةِ والرِّسالةِ، وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكمَلُ الخَلْقِ في ذلك. فكَمالُ المَخْلوقِ في تحقيقِ عُبوديَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وكُلَّما ازدادَ العبدُ تحقيقًا للعُبوديَّةِ ازْدَادَ كمالُهُ وعَلَتْ دَرَجتُهُ، ومَن تَوَهَّمَ أنَّ المَخْلُوقَ يخرُجُ عن العُبوديَّةِ