الصفحة 54 من 204

بوَجْهٍ مِن الوُجوهِ، وأنَّ الخُروجَ عنها أكمَلُ فهو مِن أجْهَلِ الخلْقِ وأضَلِّهِمْ. قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} . إلى غيرِ ذلك مِن الآياتِ. وذَكَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ باسْمِ العبدِ في أشْرَفِ المَقاماتِ، فَقَالَ في ذِكْرِ الإسراءِ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} ، وقَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} . وقَالَ تَعَالَى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} ، وقَالَ: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} . وبذلك استحَقَّ التَّقْدِيمَ على النَّاسِ في الدُّنْيَا والآخِرةِ؛ ولذلك يقولُ المَسِيحُ عليه السَّلامُ يَوْمَ القِيامةِ إذا طَلَبُوا منه الشَّفَاعةَ بعدَ الأنبياءِ. اذْهَبُوا إلى مُحمَّدٍ عبدٍ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تأخَّرَ. فحَصلَتْ له تلك المَرْتبةُ بتكميلِ عُبوديَّتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى. اهـ.

قولُهُ:"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"صلاةُ اللَّهِ على نبِيِّهِ أنْ يُثْنِيَ عليه في المَلأِ الأعْلَى عندَ الملائكةِ، هذا هو الذي عليْه المُحَقِّقُونَ، ونَصَرَهُ الشَّيْخُ وتلميذُهُ ابنُ القيِّمِ، وصوَّبَهُ الشَّيْخُ المُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ رحِمَهُمُ اللَّهُ. وقدْ يُرادُ بهذا الدُّعاءِ كمَا في السَّنَدِ عن عَلِيٍّ مَرْفُوعًا:"الملائكةُ تُصلِّي على أحدِكُم ما دامَ في مُصَلَّاهُ. اللهُمَّ اغْفِرْ له، اللهُمَّ ارْحَمْهُ". والمشهورُ عندَ كثيرٍ مِن المُتأخِّرينَ أنَّ الصَّلاةَ مِن اللَّهِ بمعنى الرَّحْمَةِ، وقِيلَ: بمَعْنَى المَغْفِرةِ. قَالَ ابنُ القيِّمِ: وهذا القولُ مِن جِنْسِ الذي قبْلَهُ، وهُما ضَعيفانِ. اهـ.

(وعلى آلِهِ وصحْبِهِ) ، آلُ الشَّخصِ هُمُ القَوْمُ المُنْتَمُونَ إليه الذينَ تجمَعُهم به صِلَةٌ وثيقةٌ مِن قَرابةٍ ونحوِها، وأحسنُ الأقوالِ في آلِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ أنَّهم أَتْباعُهُ على دِينِهِ. قَالَ في"القامُوسِ": آلُهُ: أهْلُ الرجُلِ وأتباعُهُ وأوْلِياؤُهُ ولا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فيما فيه شرَفٌ غالِبًا، فلا يُقالُ: آلُ الإسْكافِ كما يُقالُ أهْلُهُ، قَالَ: وأصلُهُ: أهْلٌ أُبْدِلَ الهاءُ همْزةً فصارَتْ أَأْلُ، تَوَالَتْ هَمْزتانِ، فأُبْدِلَتِ الثَّانيةُ ألِفًا، تَصغيرُهُ: أُوَيْلٌ وأُهَيْلٌ. اهـ. وعَطْفُ الصَّحْبِ على الآلِ مِن عَطْفِ الخاصِّ علَى العَامِّ. وَالصَّحَابيُّ هو مَن لَقِيَ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤْمِنًا وماتَ علَى ذلك.

وسَلَّمَ تسْلِيمًا مَزِيدًا. هاتانِ جُمْلتانِ خبَرِيَّتانِ لفْظًا، إنْشائِيَّتانِ معْنًى، أعْنِي قَوْلَ المُؤَلِّفِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وجمَعَ بينَ الصَّلاةِ والسَّلامِ: اقْتِداءً بالآيةِ الكَريمةِ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .

والسَّلامُ هو طلَبُ السَّلامةِ مِن كُلِّ مَكْروهٍ، والسَّلامُ اسْمٌ مِن أسماءِ اللَّهِ، وحقيقةُ هذه اللفْظَةِ البراءةُ والخلاصُ والنَّجَاةُ مِن الشَّرِّ والعُيوبِ وعلى هذا المعْنَى تدُورُ جَميعُ تصارِيفِها. اهـ.

(وَأَمَّا بَعْدُ فهذا اعْتِقادُ الفِرقَةِ النَّاجِيَةِ المَنْصُورَةِ إِلى قِيَامِ السَّاعَةِ: أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، وهُوَ الإِيمانُ باللهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، والبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، والإِيْمانِ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ) .

"أمَّا بعدُ"كلِمةٌ يُؤْتَى بها للانتِقالِ مِن أُسلُوبٍ إلى غيْرِهِ، وقد كان النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأْتِي بها كَثيرًا في خُطَبِهِ ومُكاتَباتِهِ، ومعناها مَهْمَا يَكُنْ مِن شَيءٍ.

والعَقيدةُ: هي ما يَعْقِدُ عليه المَرْءُ، ويَدِينُ به، قَالَ فِي المِصْباحِ المُنِيرِ: (( اعتقدْتُ كَذَا عقَدْتُ عليه الضَّميرَ والقلبَ، والمَشهورُ أنَّ الصَّلاةَ مِن الملائكةِ معناها الاستِغْفارُ، ومِن الآدمِيِّينَ الدُّعَاءُ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت