الصفحة 55 من 204

وقالَ ابنُ القيِّمِ في بَدائعِ الفوائدِ (ج 1 ص 26 - 27) : وهو مُشْكِلٌ مِن وُجوهٍ أحدُها: أَنَّ الدُّعاءَ يكونُ بالخيْرِ والشرِ، والصَّلاةُ لا تكونُ إلَّا بالخيْرِ، والثَّاني: أَنَّ"دَعَوْت"تُعْدَّى باللامِ"وصلَّيْت"لا تُعَدَّى إلا بِعَلَى، و"دَعَا"المُعَدَّى بِعَلَى لَيْسَ بمعنى"صلَّى"وهذا يَدلُّ على أنَّ الصَّلاةَ لَيْسَت بمعنى الدُّعَاءِ، الثَّالثُ: أنَّ فِعْلَ الدُّعَاءِ يقْتَضِي مَدْعُوًّا ومَدْعُوًّا له تقولُ: دعوتُ اللَّهَ لك بخيْرٍ، وفِعْلَ الصَّلاةِ، حتَّى قِيلَ: العقيدةُ ما يَدِينُ الإنسانُ به رَبَّهُ، وله عقيدةٌ حسَنةٌ سالِمةٌ مِن الشكِّ، وأصْلُهُ في عقْدِ البَيْعِ ونحوِهِ، ثم استُعْمِلَ في التَّصْمِيمِ والاعتقادِ الجازِمِ، فهو يُطْلَقُ على التَّصْدِيقِ مُطْلَقًا، وعلى ما يُعْتقَدُ مِن أمُورِ الدِّينِ.

والفِرقةُ بالكَسْرِ الطَّائِفَةُ مِن النَّاسِ، والنَّاجيةُ المنصورةُ. هذا مِن أوْصافِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، كمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا تَزالُ طائِفةٌ مِن أُمَّتِي على الحقِّ منصورةً لا يَضُرُّهم مَنْ خذَلَهم ولا مَن خالَفَهم حَتَّى يَأتيَ أمْرُ اللَّهِ".

وأهلُ بَدَلٌ مِن الفِرقةِ بالكسرِ ويَجُوزُ فيه الرَّفْعُ على أنَّه خبَرٌ لمُبتدَأٍ محذوفٍ تقديرُهُ هُمْ، وبالنَّصْبِ على إضْمارِ فِعْلٍ تقديرُهُ أعْنِي أهْلَ السُّنَّةِ.

وسَيَأْتِي لهذا مَزيدُ بحْثٍ في آخِرِ العَقِيدةِ إنْ شاءَ اللَّهُ.

قالَ الشَّيْخُ في مُناظَرتِهِ لمَنِ اعترَضَ نعْتَهُ لِأهْلِ السُّنَّةِ بأنَّهمُ الفِرقةُ النَّاجيةُ، وزَعمَ أنَّه إذا كان هذا قولُ الفِرقةِ النَّاجيةِ خرجَ عن ذلك مَن لم يقُلْ ذلك مِن المتكَلِّمينَ، قَالَ الشَّيْخُ: قلتُ لهم ولَيْسَ كُلُّ مَن خالَفَني في شيءٍ مِن هذا يكونُ هالِكًا، فإنَّ المُنَازِعَ قد يَكونُ مجتَهِدًا مُخطِئًا يَغفِرُ اللَّهُ خطاياه، وقد لا يكونُ بَلَغَهُ في ذلك مِن العِلْمِ ما تَقُومُ عليه الحُجَّةُ، وقد يكونُ له من الحَسناتِ ما يَمْحُو اللَّهُ به سيِّئاتِهِ، وإذا كانتْ ألفاظُ الوعيدِ المُتَناوَلةُ لا يجِبُ أنْ يَدْخُلَ فيها المُتَأَوِّلُ، والقانِتُ، وذُو الحَسناتِ الماحيةِ، والمغفورُ له، وغيرُ ذلك، فهذا أوْلى، بلْ مُوجِبُ الكلامِ أنَّ مَنِ اعتقَدَ ذلك نَجَا في هذا الاعتِقادِ، ومَنِ اعتقَدَ ضِدَّهُ فقدْ يكونُ ناجِيًا، وقد لا يكونُ ناجيًا كما يُقالُ: مَنْ صَمَتَ نَجَا، وهِي الإيمانُ باللَّهِ إلخ.

هذه الأصولُ الستَّةُ هي أركانُ الإيمانِ. قَالَ تَعَالَى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} وقَالَ: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} وقَالَ: {وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا} وفي حديثِ جِبريلَ المَشهورِ حين سألَ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن الإيمانِ:

الإيمانُ أنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ، وملائكتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، واليومِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خيْرِهِ وشرِّهِ.

وهذه الأركانُ العظيمةُ قد اتَّفَقَتْ عليها الرُّسُلُ والشَّرائِعُ، ونزلَتْ بها الكتُبُ، وآمَنَ بها جميعُ المسْلمِينَ، ولم يَجْحَدْ شيئًا منها إلَّا مَن خَرَجَ عن دائرةِ الإيمانِ وصارَ مِن الكافرِينَ.

والإيمانُ باللَّهِ معناهُ: الاعتقادُ الجازِمُ أنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شيءٍ ومَلِيكُهُ، وأنَّه الخالِقُ وحْدَهُ، وأنَّه الذي يستحِقُّ أنْ يُفْرَدَ بالعِبادةِ والذُّلِّ والخُضُوعِ، وجميعِ أنواعِ العِبادةِ، وأنَّه المُتَّصِفُ بصِفاتِ العظمةِ والكَمالِ، المُنَزَّهُ عن كُلِّ سُوءٍ ونقْصٍ.

والإيمانُ بالملائكةِ: الاعتقادُ الجازِمُ بأنَّهم مَوْجُودونَ قائِمونَ بوَظائِفِهمُ التي كلَّفَهُمُ اللَّهُ بها، لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُم ويَفْعلونَ ما يُؤْمَرُونَ. كمَا أمَرَتْ بذلك النصوصُ مِن القرآنِ والسُّنَّةِ، فكُلُّ حَرَكةٍ في السَّمَوَاتِ والأرضِ مِنْ حرَكاتِ الأفلاكِ والنُّجومِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت