والشَّمْسِ والقَمرِ والرِّياحِ والسَّحابِ والنَّباتِ والحيوانِ فهِي ناشِئةٌ عن المَلائكةِ المُوَكَّلِينَ بالسَّمَوَاتِ والأرضِ، كما قَالَ تَعَالَى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} ، وهِي الملائكةُ عندَ أهلِ الإيمانِ وأتْباعِ الرُّسُلِ. وأمَّا المُكَذِّبُونَ للرسُلِ المُنْكِرونَ للصانِعِ، فيقولون: هي النُّجومُ، وقد دَلَّ الكِتابُ والسُّنَّةُ على أصنافِ الملائكةِ، وأنَّها مُوَكَّلةٌ بأصنافِ المخلوقاتِ، وأنَّه سُبْحَانَهُ وَكَّلَ بالجبالِ ملائكةً، ووَكَّلَ بالسَّحابِ والمطرِ ملائكةً، ووَكَّلَ بالرَّحِمِ ملائكةً تُدَبِّرُ أمْرَ النُّطْفةِ حَتَّى يَتِمَّ خَلْقُها. ثم وَكَّلَ بالعبدِ ملائكةً لحِفْظِهِ وما يعمَلُهُ وإحصائِهِ وكتابتِهِ، ووكَّلَ بالموتِ ملائكةً، ووَكَّلَ بالسُّؤالِ في القبرِ ملائكةً، ووكَّلَ بالأفلاكِ مَلائكةً يُحَرِّكُونها، ووَكَّلَ بالشَّمْسِ والقمرِ ملائكةً، ووَكَّلَ بالنَّارِ وإيقادِها وتعذيبِ أهْلِها وعِمارَتِها ملائكةً، ووَكَّلَ بالجَنَّةِ وغِرَاسِها وعَمَلِ الأنهارِ فيها ملائكةً. فالمَلائكةُ أعْظَمُ جُنودِ اللَّهِ، ولَفْظُ المَلَكِ يُشْعِرُ بأنَّه رَسُولٌ مُنَفِّذٌ لأَِمْرِ غَيْرِهِ، فلَيْسَ لهم مِن الأمرِ شيءٌ، بلِ الأمرُ كلُّه للَّهِ الواحدِ القَهَّارِ {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} اهـ.
وكُتُبِهِ فيجِبُ الإيمانُ بكُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلةِ مِن السَّمَاءِ على الأنبياءِ ما عَلِمْنا مِن ذلك كالتَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبُورِ والقرآنِ وما لم نَعْلَمْ. قَالَ الحافِظُ: والإيمانُ بكُتُبِ اللَّهِ: التَّصديقُ بأنَّها كلامُ اللَّهِ، وأنَّ ما تضمَّنَهُ حقٌّ اهـ، ويجِبُ مَعَ الإيمانِ بالقرآنِ، وأنَّه مُنَزَّلٌ من عندِ اللَّهِ تكلَّمَ اللَّهُ به كما تكلَّمَ بالكُتُبِ المُنزَّلةِ على الأنبياءِ، يجِبُ مَعَ هذا كلِّه اتِّباعُ ما فيهِ مِنْ أوامِرَ واجْتنابُ ما فيه مِن زَواجِرَ.
ورُسلِهِ فيجِبُ التَّصْديقُ بهم، والإيمانُ بأنبياءِ اللَّهِ ورسُلِهِ مِن أوَّلِهم إلى آخِرِهم، قَالَ في شَرحِ الطَّحَاويِّةِ: وأمَّا الأنبياءُ والمُرْسَلُونَ فعلينا الإيمانُ بمَن سمَّى اللَّهُ في كتابِهِ مِن رسُلِهِ، والإيمانُ بأنَّ اللَّهَ أرسَلَ رُسُلًا سِواهُم، وأنبياءً لا يَعلمُ عددَهُم وأسماءَهُم إلَّا اللَّهُ تَعَالَى الذي أرْسَلَهُمْ. فعَلَيْنا الإيمانُ بهم جُمْلةً؛ لأنَّه لم يأْتِ في عددِهِم نَصٌّ، وقَد قالَ تَعَالَى: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} وعلينا الإيمانُ بأنَّهم بَلَّغُوا جميعَ ما أُرْسِلُوا به على ما أمَرَهُمُ اللَّهُ به، وبَيَّنُوهُ بيانًا لا يَسَعُ أحدًا ممَّن أُرْسِلوا له جَهْلُهُ ولا يَحِلُّ خِلافُهُ، قَالَ تَعَالَى: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} ، وأمَّا أُولُو العَزْمِ مِن الرُّسُلِ فقد قِيلَ فيهم أقوالٌ أحسَنُها ما نقلَهُ البَغَوِيُّ وغيرُهُ عن ابنِ عبَّاسٍ وقتادةَ، أنَّهم: نُوحٌ، وإبراهيمُ، ومُوسى، وعيسى، ومُحَمَّدٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهُمُ المَذْكُورونَ في قولِهِ تَعَالَى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ} الآيةَ. وأمَّا الإيمانُ بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فتصديقُهُ واتِّباعُ ما جَاءَ به مِن الشَّرائعِ إجْمالًا وتفصيلًا. اهـ
والبعْثُ بعدَ الموتِ: هو الإيمانُ بأنَّ هناك دارًا آخِرةً يُجَازَى فيها المُحْسِنُ بإحسانِهِ، والمُسِيءُ بإساءتِهِ، ويَغفرُ اللَّهُ ما دُونَ الشِّرْكِ لمَن يشاءُ.
وقد كان المُشرِكونَ الأوَّلونَ يُنْكرونَ البعثَ، ويقولون: ما هِي إلَّا حياتُنا الدُّنْيَا نموتُ ونحيا وما نحن بمَبْعُوثِينَ، وقد ردَّ اللَّهُ عليهم وكذَّبَهم في زعْمِهم الباطلِ، وبَيَّنَ أنَّ مَن كان قادِرًا على إيجادِهِم مِن العَدَم - إذْ أخْرَجَهُم لهذه الدُّنْيَا، ولم يكونوا شيئًا - هو كذلك قادِرٌ على إعادتهم مرَّةً أُخرى بطريقِ الأوْلَى. قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} ، وقَالَ: أَوَلَمْ يَرَ