الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الآياتِ.
والإيمانُ بالبعثِ: أحدُ أرْكانِ الإيمانِ، والصحيحُ أنَّه مِمَّا دَلَّ عليه العقلُ مَعَ الشَّرْعِ، قَالَ الحافِظُ: ومُنَاسبةُ التَّرتيبِ المذكورِ وإنْ كانتِ الواوُ لا تُرَتِّبُ. بلِ المُرادُ مِن التَّقديمِ أَنَّ الخيْرَ والرَّحْمَةَ مِن اللَّهِ، ومِن أعظَمِ رحمتِهِ أنْ أنزَلَ كتُبَهُ إلى عِبادِهِ، والمُتَلَقِّي لذلك منهمُ الأنْبِيَاءُ، والواسِطةُ بينَ اللَّهِ وبينهمُ الملائكةُ. اهـ، وقَالَ أيضًا: وقدَّمَ الملائكةَ على الكُتُبِ والرُّسُلِ نظَرًا للتَّرْتيبِ الواقِعِ لأنَّه سُبْحَانَهُ أرسَلَ المَلَكَ بالكِتابِ إلى الرَّسُولِ، قَالَ: ولَيْسَ فيه مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ فضَّلَ المَلَكَ على الرَّسُولِ (قلتُ) : ومسألةُ تفضيلِ المَلَكِ على الرَّسُولِ أو بالعكسِ مسألةٌ لا طائِلَ تحْتَها.
(( وأصلُ البعثِ إثارةُ الشَّيْءِ عن جفاءٍ، وتحريكٌ عن سكونٍ. والمُرادُ هنا إحياءُ الأمواتِ وخُروجُهم مِن قُبورِهم ونحوِها إلى حُكْمِ يومِ القيامةِ ) ).
(( والإيمانُ بالقدَرِ خيْرِهِ وشرِّهِ ) )وقد دلَّ على إثباتِ القدَرِ الكِتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ السَّلَفِ الصَّالحِ، وخالَفَ في ذلك القدَرِيَّةُ النُّفاةُ، وقدْ أنْكَرَ السَّلَفُ عليهم أَشَدَّ الإنكارِ لَمَّا أظْهَرُوا بِدْعَتَهم وسَمَّوْهُمْ مَجُوسَ هذه الأُمَّةِ.
قَالَ ابنُ عُمَرَ، وقد قِيلَ له إنَّ قومًا يقولون لا قَدَرَ: إني منهم بريءٌ، وإنَّهم منِّي بُرَآءُ، والذي يحْلِفُ به عبدُ اللَّه بنُ عمرَ لو كان لِأحدِهم مِثْلُ أُحُدٍ ذهبًا ثم أنفقَهُ في سبيلِ اللَّهِ ما قَبِلَهُ اللَّهُ منه حَتَّى يُؤْمِنَ بالقدَرِ. ثم ذَكَرَ حديثَ سؤالِ جبريلَ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيه: وتؤمِنَ بالقدَرِ خيْرِهِ وشرِّهِ. وقَالَ ابنُ عبَّاسٍ: الإيمانُ بالقدَرِ نظامُ التَّوْحِيدِ، فمَن كذَّبَ بالقدَرِ نقَضَ تكذيبُه توحيدَهُ.
(( والقدَرُ مصْدَرٌ نقولُ: قَدَرْتُ الشَّيْءَ بتخفيفِ الدَّالِ وفتْحِها أقْدِرُهُ بالكسرِ والفتْحِ قَدَرًا وقَدْرًا إذا أحطتُ بمقدارِهِ، والمرادُ أنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ مقاديرَ الأشياءِ وأزْمانِها قبْلَ إيجادِها، ثم أوْجَدَ ما سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّه يُوجَدُ. فكُلُّ مُحْدَثٍ صادِرٌ عن عِلْمِهِ وقُدْرَتِه وإرادتِهِ؛ هذا هُو المعلومُ مِن الدِّينِ بالبَراهينِ القَطْعِيَّةِ؛ وعليه كانَ السَّلَفُ مِن الصَّحَابَةِ وخيارِ التَّابِعِينِ إلى أنْ حدَثَتْ بِدْعةُ القدَرِ في أواخِرِ زمَنِ الصَّحَابَةِ ) ).
فهذه أركانُ الإيمانِ السِّتَّةِ، آمَنَ بها حقيقةَ الإيمانِ أَتْباعُ الرّسُلِ.
وأمَّا أعداؤهم ومَن سلَكَ سبيلَهُم مِن الفلاسفةِ وأهلِ البِدعِ فهم مُتَفاوِتُونَ في جَحْدِها وإنكارِها، وأعظمُ النَّاسِ لها إنكارًا هم الفلاسفةُ المُسَمَّوْنَ عندَ مَن يُعَظِّمُهُم بالحُكماءِ، فإنَّ مَنْ عَلِمَ حقيقةَ قَوْلِهِمْ عَلِمَ أنَّهم لا يُؤمنونَ باللَّهِ ولا رُسُلِهِ ولا كُتُبِهِ ولا مَلائكتِهِ ولا باليومِ الآخِرِ، فإنَّ مَذْهَبَهُم أنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَوْجودٌ لا ماهِيَةَ له ولا حقيقةَ، فلا يعلَمُ الجُزئياتِ بأعْيانِها، وكلُّ مَوجودٍ في الخارِجِ فهو جُزئِيٌّ، ولا يفعَلُ عندَهم بقُدْرَتِهِ ومَشيئَتِهِ، وإنَّما العالَمُ عندهم لَازِمٌ له أزَلًا وأبدًا، وإنْ سَمَّوْهُ مَفعولًا له فمُصانَعةً ومُصالحةً للمسْلمِينَ في اللَّفْظِ، ولَيْسَ عندهم بمفعولٍ ولا مَخْلوقٍ ولا مَقْدورٍ عليه، ويَنْفُونَ عنه سمْعَهُ وبصَرَهُ وسائرَ صِفاتِهِ، فهذا إيمانُهمْ باللَّهِ، وأمَّا كُتُبُهُ عندهم فإنَّهم لا يَصِفونَهُ بالكلامِ، فلا يُكَلِّمُ ولا يتَكَلَّمُ، ولا قَالَ، ولا يقولُ، والقرآنُ عندهمْ فيْضٌ فاضَ من العقلِ الفعَّالِ على قلبِ بشْرٍ زَاكِي النَّفْسِ طاهرٍ مُتَميِّزٍ مِن النَّوعِ الإنْسَانِيِّ بثلاثِ خَصائصَ: قوَّةُ الإدراكِ، وسُرعتُهُ لِيَنالَ الْعِلْمَ أعظمَ ممَّا ينالُهُ غيرُهُ، وقوَّةُ النَّفْسِ ليؤثِّرَ بها في هُيُولِيِّ العِلْمِ بقَلْبِ صورةٍ إلى صورةٍ، وقُوَّةُ التَّخْييلِ ليَخِلَ بها القُوى