الصفحة 58 من 204

العَقْلِيَّةَ في أشْكالٍ محسوسةٍ وهِي الملائكةُ عندهم، ولَيْسَ في الخارجِ ذاتٌ منْفَصِلةٌ تصعدُ وتنزِلُ، وتَذهبُ وتَجيءُ، وتَرى وتُخاطِبُ الرَّسُولَ، وإنما ذلكَ عندهم أُمورٌ ذِهنيَّةٌ لا وُجودَ لها في الأعيانِ.

وأمَّا اليومُ الآخِرُ فهُم أشدُّ النَّاسِ تكذيبًا وإنكارًا له في الأعْيانِ، وعندهم أنَّ هذا العالَمَ لا يُخَرَّبُ، ولا تَنْشَقُّ السَّمَاواتُ، ولا تَنْفَطِرُ، ولا تنكدرُ النجومُ، ولا تُكَوَّرُ الشَّمْسُ والقمرُ، ولا يقومُ النَّاسُ مِن قُبُورِهم ويُبْعَثُونَ إلى جَنَّةٍ ونارٍ. كُلُّ هذا عِنْدَهم أمثالٌ مَضْروبةٌ لتفهيمِ العَوَامِّ لا حقيقةَ لها في الخارِجِ كما يَفْهَمُ منها أَتْباعُ الرُّسُلِ. فلا مَبْدَأَ عندهم ولا مَعادَ ولا صانِعَ، ولا نُبُوَّةَ، ولا كُتُبَ نزلَتْ مِن السَّمَاءِ تكلَّمَ اللَّهُ بها، ولا ملائكةَ تَنَزَّلَتْ بالوَحْيِ مِن اللَّهِ.

وقد أبْدَلَتْها المُعْتَزِلةُ بأُصُولِهمُ الخمسةِ التي هدَموا بها كثيرًا مِنَ الدِّينِ، فإنَّهم بَنَوْا أصْلَ دِينِهِمْ على الجِسْمِ والعَرَضِ الذي هو المَوْصُوفُ والصِّفَةُ عندهم، واحْتَجُّوا بالصِّفاتِ التي هِي الأَعْراضُ على حُدُوثِ المَوْصُوفِ الذي هو الجِسْمُ، وتكلَّمُوا في التَّوْحِيدِ على هذا الأصلِ. فنَفَوْا عَن اللَّهِ كُلَّ صِفةٍ تَشْبِيهًا بالصِّفاتِ المَوْجُودَهِ في المَوْصُوفاتِ التي هِي الأجْسامُ.

ثم تكلَّمُوا بعدَ ذلك في أفْعَالِهِ التي هِي القدَرُ، وسَمَّوْا ذلك العَدْلَ.

ثم تكلَّمُوا في النُّبُوَّةِ له والشَّرائِعِ، والأمْرِ والنَّهْيِ، والوَعْدِ والوعيدِ، وهِي مسائِلُ الأحكامِ التي هِي المَنْزِلَةُ بين المَنْزِلَتَيْنِ، ومسألةُ إنفاذِ الوعيدِ.

ثمَّ تكلَّمُوا في مسألَةِ إلزامِ الغيرِ بذلك الذي هو الأمْرُ بالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عن المُنْكرِ، وضمَّنُوهُ جَوازَ الخُروجِ على الأئمةِ بالْقِتَالِ. فهذه أُصُولُهُمُ الخمسةُ التي وَضَعُوها بإِزَاءِ أُصُولِ الدِّينِ الخَمسةِ التي بُعِثَ بها الرَّسُولُ، والرَّافِضَةُ المتأَخِّرُونَ جَعَلوا الأُصُولَ أربعةً:

التَّوْحِيدُ، والعدلُ، والنُّبُوَّةُ، والإمامةُ، وأُصُولُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ تابِعةٌ لِمَا جاءَ به الرَّسُولُ، وقَالَ أبو طالِبٍ المَكِّيُّ: أُصُولُ الإيمانِ سبعةٌ: يَعْني هذه الخَمسةَ، والإيمانَ بالقدَرِ، والإيمانَ بالجَنَّةِ والنَّارِ وهذا حقٌّ والأدِلَّةُ عليه ثابِتةٌ مُحْكَمةٌ قَطْعِيَّةٌ. ا هـ.

(( ومِنَ الإِيْمانِ باللهِ: الإِيمانُ بِمَا وَصَفَ بهِ نَفْسَهُ في كِتابِهِ العَزيزِ، وبِمَا وَصَفَهُ بهِ رَسُولُهُ محمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ غَيْرِ تَحْريفٍ ولا تَعْطيلٍ، ومِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ ولا تَمْثيلٍ ) ).

ومِن هنا إلى آخِرِ العقيدةِ كالتَّفْصيلِ لِمَا سَبَقَ.

وذَكَرَ في هذه الجُملةِ قاعدةَ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ في الصِّفاتِ، وهِي أنَّهم يَصِفُونَ اللَّهَ بما وَصَفَ به نفْسَهُ، وبِمَا وصَفَهُ به رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إثباتًا بلا تَمْثيلٍ، وتَنْزِيهًا بلا تَعْطيلٍ، كما قَالَ الإمامُ أحمدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يُوَصَفُ إلَّا بِما وَصَفَ به نفْسَهُ أوْ وصَفَهُ به رَسُولُهُ، لا يُتَجاوَزُ القرآنُ والحديثُ؛ وقَالَ نُعَيْمُ بنُ حمَّادٍ شيخُ البُخارِيِّ رحمِهَما اللَّهُ: ومَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِه كَفَرَ، ومَن جَحَدَ ما وصَفَ اللَّهُ بهِ نفْسَهُ كَفَرَ، ولَيْسَ فيما وصَفَ اللَّهُ بهِ نفْسَهُ أو وصَفَهُ به رَسُولُهُ تَشْبيهٌ ولا تَمْثيلٌ. وقَالَ الإمامُ الشَّافِعيُّ رحِمه اللَّهُ: لِلَّهِ أسماءٌ وصِفاتٌ لا يَسَعُ أحدًا جهْلُها، فمَن خالَفَ بعدَ ثُبوتِ الحُجَّةِ عليه كَفَرَ، وأمَّا قَبْلَ قِيامِ الحُجَّةِ فيُعْذَرُ بالجَهْلِ.

وقَالَ الشَّيْخُ: ومَنْ شَكَّ في صِفةٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ ومِثْلُهُ لا يجهَلُها فمُرْتَدٌّ، وإنْ كان مِثْلُهُ يجهَلُها لَيْسَ بمُرْتَدٌّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت