الصفحة 59 من 204

ولا يُوصَفُ اللَّهُ إلَّا بما وصَفَ به نفْسَهُ أو وَصَفَهُ به رَسُولُهُ؛ لأنَّ بابَ الأسماءِ والصِّفاتِ تَوْقِيفِيٌّ، فلا يَتَجاوَزُ القرآنَ والحديثَ، كما قَالَ الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ مِن السَّلَفِ. وقولُهُ: مِن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ إلخ. فأهلُ السُّنَّةِ وسَطٌ بين فِرَقِ الضَّلالِ، فالجَهْمِيَّةُ والمُعْتزِلَةُ ومَن تَبِعَهُم نَفَوْا الصِّفَاتِ وعطَّلُوها، وكذلك الأشْعَرِيَّةُ نَفَوْا بعضًا وأَثْبَتُوا بعضًا.

والمُشَبِّهَةُ كدَاودَ الجَوَارِبِيِّ، وهِشامِ بنِ الحَكَمِ الرَّافضيِّ غَلَوْا في الإثباتِ فَضَلُّوا، وهَدَى اللَّهُ أهلَ السُّنَّةِ للطريقِ الأَمْثَلِ.

وما أحسْنَ المَثَلَ المَضْروبَ للمُثْبِتِ للصِّفاتِ مِن غيرِ تشبيهٍ ولا تعطيلٍ باللَّبَنِ الخالِصِ السَّائغِ للشَّارِبِينَ يخرُجْ مِن بين فَرْثِ التَّعطيلِ ودَمِ التَّشبيهِ. قَالَ بعضُ العلماءِ: المُعَطِّلُ يَعبدُ عدَمًا، والمُمَثِّلُ يَعبدُ صَنَمًا، والمُوَحِّدُ يَعبدُ إلهًا واحِدا فرْدًا صَمَدًا.

وقَالَ الخطَّابيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَذْهَبُ السَّلَفِ إجراءُ آياتِ الصِّفَاتِ وأحادِيثِها على ظاهِرِها مَعَ نَفْيِ الكَيْفيَّةِ والتَّشبيهِ عنها. إذِ الكلامُ في الصِّفَاتِ فَرْعٌ على الكَلامِ في الذاتِ يُحْتَذَى فيه حَذْوه، ويُتَّبَعُ فيه مِثَالُهُ. فإذا كان إثباتُ الذَّاتِ إثباتَ وُجودٍ لا إثباتَ تَكْييفٍ فكذلك إثباتُ الصِّفَاتِ إثباتُ وُجودٍ لا إثباتُ تَكْييفٍ. وقد يُعَبِّرُونَ عن ذلك بقولهم تَمُرُّ كما جاءَتْ ولا يُتَعَرَّضُ لها بتأْوِيلٍ، ومُرادُهم أنَّه يجِبُ إثباتُ حقيقةِ الصِّفَاتِ دونَ التَّكْييفِ، وقد يَظُنُّ مَنْ يُنْسبُ لهم أنَّهم أرَادُوا التَّفويضَ أوْ أنَّها مِن المُتَشابهِ، وهذا ظَنٌّ خاطِئٌ.

قَالَ الشَّيْخُ: وأمَّا إدخالُ أسماءِ اللَّهِ وصِفاتهِ أو بعضِ ذلك في المُتشابهِ الَّذِي لا يَعْلَمُ تأويلَهُ إلَّا اللَّهُ، أوِ اعتقادُ أنَّ ذلك هو المُتشابَهُ الَّذِي استأثَرَ اللَّهُ بعِلْمِ تأويلِهِ، كما يقولُ كُلَّ واحدٍ مِن القوْلَيْنِ طَوائِفُ مِن أصحابِنا وغيرِهِم. فإنَّهم وإنْ أَصابوا في كثيرٍ مما يقولون ونَجَوْا مِن بِدَعٍ وقَعَ فيها غيرُهُم، فالكلامُ على هذا مِن وَجْهَيْنِ:

(الأَوَّلُ) : أنِّي لا أعْلَمُ عن أحدٍ مِن سلَفِ الأُمَّةِ ولا مِن الأئمَّةِ لا أحمدَ بنِ حنبلٍ، ولا غيرِهِ أنَّه جَعَلَ ذلك مِن المُتشابهِ الدَّاخِلِ في هذه الآيةِ، ونَفَى أنْ يَعْلَمَ معناه أحدٌ، وجعلوا أسْماءَ اللَّهِ وصِفاتِهِ بمَنْزِلةِ الكلامِ الأعجميِّ الَّذِي لا يُفْهَمُ، ولا قالوا: إنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ كلامًا لا يَفْهَمُ مَعْناه أحدٌ، وإنَّما قالوا: كلماتٌ لها مَعَانٍ صحيحةٌ، قالوا في أحاديثِ الصِّفَاتِ: تمُرُّ كما جاءَتْ، ونَهَوْا عن تأويلاتِ الجَهْمِيَّةِ ورَدُّوها وأبْطَلُوها. . ويُقِرُّونَ النُّصوصَ على ما دلَّتْ عليه مِن معناها، ويَفْهَمونَ منها بعضَ ما دلَّتْ عليه، كما يَفْهمونَ ذلك في سائِرِ نُصوصِ الوَعْدِ والوعيدِ والفضائلِ وغيرِ ذلك.

وأحمدُ قد قَالَ في غيرِ أحاديثِ الصِّفَاتِ: تمُرُّ كما جاءتْ في أحاديثِ الوعيدِ مِثْلَ:"مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا". وأحاديثِ الْفَضَائِلِ. ومَقْصُودُه: أنَّ الحديثَ لا يُحَرَّفُ كَلِمُه عَن مَواضعِهِ كما يَفْعلُهُ مَن يُحَرِّفُهُ، وسُمِّيَ تحريفُه تأويلًا بالْعُرْفِ المتأخِّرِ، فتأويلُ هَؤُلاَءِ المتأخرين عند الأئمَّة تحريفٌ باطلٌ، وكذلك نصَّ أحمدُ في كتابِ الردِّ على الجهميِّةِ والزنادقةِ أنَّهم تمَسَّكوا بمتشابِه القُرآنِ وتَكَلَّمَ أحمدُ على ذلك المُتشابِهِ وبيَّنَ معناه وتفسيرَهُ بما يُخالِفُ تأويلَ الجهميةِ، وجَرى ذلك على سُنَنِ الأئمةِ قَبْلَهُ.

وقَالَ الشَّيْخُ أيضًا: وأمَّا التَّفويضُ فمَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ أمَرَنا أنْ نتدبَّرَ القرآنَ، وحَضَّنا على عقْلِهِ وفهْمِهِ، فَكَيْفََ يجوزُ مَعَ ذلك أنْ يُرادَ مِنَّا الإعراضُ عن فهْمِه ومعرِفَتِه وعقْلِه؟ وحقيقةُ قولِ هَؤُلاَءِ (أهلُ التَّفويضِ) في المخاطِبِ لنا أنَّه لم يُبَيِّنِ الحقَّ ولا أوْضَحَه مَعَ أمْرِه لنا أنْ نَعتَقِدَه، وأنَّ ما خاطَبَنا به وأمَرَنا باتِّباعِه والردِّ إليه لم يُبَيِّنْ به الحقَّ ولا كشَفَهُ، بلْ دلَّ ظاهِرُه على الكُفْرِ والباطلِ، وأراد مِنَّا أنْ لا نَفْهَمَ منه شيئًا، أو أنْ نفهَمَ منه ما لا دليلَ عليه فيه، وهذا كلُّه مما يُعلم بالاضْطِرارِ تنزيهُ اللَّهِ ورَسُولِهِ عنه، وأنَّه مِنْ جنسِ أقوالِ أهلِ التَّحريفِ والإلحادِ. اهـ. (( مِنْ غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ ) )التَّحريفُ صرْفُ الكلامِ عن ظاهِرِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت