الصفحة 60 من 204

قَالَ فِي"القاموسِ": التَّحريفُ التَّغييرُ، وقَطُّ القلَمِ مُحَرَّفًا وَاحْرَوْرَفَ: مَالَ وعَدَلَ كانْحَرَفَ. وقَالَ الراغِبُ في"مُفرداتِهِ": تحريفُ الشَّيْءِ إمالَتُه كتحريفِ القلَمِ، وتحريفُ الكلامِ أن تجعَلَهُ على حرْفٍ مِن الاحتمالِ يمكنُ حمْلُهُ على الوجهيْنِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) ، وقَالَ ابنُ القيِّمِ: فالتَّحريفُ تحريفُ المعاني بالتَّأويلاتِ الَّتِي لم يُرِدْها المتكلِّمُ بها. والتَّبديلُ تبديلُ لفظٍ بلفظٍ آخَرَ. والكتمانُ جحْدُه، وهذه الأدواءُ الثلاثةُ منها غيَّرَتِ الأديانَ والمِلَلَ. اهـ، وقَالَ في موضعٍ آخرَ: والتَّحريفُ نوعانِ تحريفُ اللَّفْظِ وتحريفُ المعنى. فتحريفُ اللَّفْظِ العدولُ عن جهتِه إلى غيرِها إمَّا بزيادةٍ وإمَّا بنُقْصانٍ، وإمَّا بتغييرِ حركةٍ إعرابيَّةٍ، وإمَّا غيرِ إعرابيَّةٍ. فهذه أربعةُ أنواعٍ، وقد سلَكَ فيها الجهميَّةُ، والرافضةُ؛ فإنَّهم حرَّفُوا نُصوصَ الحديثِ، ولم يتمكَّنُوا مِن ذلك في ألفاظِ القرآنِ. وإن كان الرافضةُ حرَّفُوا كثيرًا مِن لفظِهِ، وادَّعَوا أنَّ أهلَ السُّنَّةِ غيَّرُوهُ عن وجْهِهِ. وأما تحريفُ المعنى فهذا الَّذِي جالوا فيه وصالوا وتَوَسَّعوا وسمَّوْه تأويلًا، وهو اصطلاحٌ فاسِدٌ حادِثٌ لم يُعْهَدْ به استعمالٌ في اللُّغَةِ وهو العُدولُ بالمعنى عن وجْهِه وحقيقتِه، وإعطاءُ اللَّفْظِ معنَى لفظٍ آخَرَ بقدْرٍ ما مُشْترَكٍ بينَهما.

وأصحابُ تحريفِ الألفاظِ شرٌّ مِن هَؤُلاَءِ مِن وجهٍ، وهَؤُلاَءِ شرٌّ مِن وجهٍ، فإنَّ أولئكَ عدَلُوا باللَّفْظِ والمعنى عمَّا هما عليه فأفْسَدوا اللَّفْظَ والمعنى، وهَؤُلَاءِ ترَكُوا اللَّفْظَ على حالِه فكانوا خيْرًا مِن أولئك مِن هذا الوجهِ، ولكنَّ أولئك لمَّا أرادوا المعنى الباطلَ صرَفوا له لفظًا يصلُحُ له لئلا يتنافَرَ اللَّفْظُ والمعنى بحَيْثُ إذا أُطْلِقَ ذلك اللَّفْظُ المحَرَّفُ فُهِمَ منه المعنى المحرَّفُ، فإنَّهم رَأَوْا أنَّ العُدولَ بالمعنى عن وجهِه وحقيقتِه مَعَ بقاءِ اللَّفْظِ على حالِه ممَّا لا سبيلَ إليه فبدَءُوا بتحريفِ اللَّفْظِ ليَستقِيمَ لهم حُكْمُهم على المعنى الَّذِي قَصَدُوا. اهـ

قولُه: ولا تعطيلٌ. العَطَلُ في اللُّغَةِ الخُلوُّ والفراغُ، والتَّرْكُ، ومنه {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ} . قَالَ الراغبُ: العَطَلُ فقْدانُ الزِّينةِ والشُّغْلِ. يُقالُ: عَطَلَتِ المرأةُ فهي عُطُلٌ وعاطلٌ؛ ومنه قَوْسٌ عُطُلٌ لا وَتَرَ عليه، وعَطَّلْته مِن الحُلِيِّ ومِن العمَلِ فتعطَّلَ قَالَ: {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ} . ويُقَالُ لمَن يجعلُ العالَمَ بزعْمِه فارغًا عن صانعٍ أتقنَهُ وزَيَّنَه مُعَطِّلٌ، وعطَّلَ الدَّارَ عن ساكِنها والإبلَ عن راعِيهَا. اهـ.

وسُمِّيَ جاحِدُو الصِّفَاتِ مُعَطِّلِينَ؛ لِنَفْيِهم عن اللَّهِ صفاتِ كَمالِهِ وإخلائِهم له منها.

قَالَ ابنُ القيِّمِ: أصلُ الشِّركِ وقاعِدُته الَّتِي يرجِعُ إليها هو التَّعطيلُ، وهو ثلاثةُ أقسامٍ تعطيلُ المصنوعِ عن صانِعِه وخالِقِه، وتعطيلُ الصَّانعِ سُبْحَانَهُ عن كَمالِه المُقَدَّسِ بتعطيلِ أسمائِهِ وصِفاتِهِ، وأفعالِهِ، وتعطيلُ مُعاملَتِه عن ما يجِبُ على العبادِ من حقيقةِ التَّوْحِيدِ. اهـ

وقد سَأَلَ أحدُ المُناظِرينَ للشَّيخِ في العقيدةِ: ما المُرادُ بالتَّحريفِ والتَّعطيلِ؟

ومقصودُه أنَّ هذا يَنفي التَّأويلَ الَّذِي أثْبَتَهُ أهلُ التَّأويلِ وهو صرْفُ اللَّفْظِ عن ظاهِرِه، إمَّا وجوبًا وإمَّا جوازًا. قَالَ الشَّيْخُ فقلتُ:

تحريفُ الكلامِ هو تحريفُ الكلامِ عن مَواضعِه كما ذمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابِهِ، وهو إزالةُ اللَّفْظِ عما دلَّ عليه مِن المعنى، مِثْلَ تأويلِ بعضِ الجَهْمِيَّةِ لقولِه تَعَالَى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} أيْ: جرَحَهُ بأظافيرِ الحكمةِ تجريحًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت