فهرس الكتاب
ومِثْلُ تأويلاتِ القرامِطةِ والباطنيَّةِ وغيرِهم مِن الجَهْمِيَّةِ والرَّافضةِ والقدَرِيَّةِ وغيرِهم، فسكتَ وفي نفْسِه ما فيها، وقد ذكرتُ في غيرِ هذا المجلسِ أني عدلْتُ عن لفظِ التَّأويلِ إلى لفظِ التَّحريفِ؛ لأنَّ التَّحريفَ اسمٌ جاءَ القرآنُ بذَمِّه، وأنا تحرَّيْتُ في هذه العقيدةِ اتِّباعَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فبيَّنْتُ ما ذَمَّ اللَّهُ مِن التَّحريفِ، ولم أذكُرْ فيها لفظَ التَّأويلِ بنَفْيٍ ولا إثباتٍ؛ لأنَّه لفظٌ له عِدَّةُ معانٍ، كمَا بيَّنْتُه في مَوضعِه مِن القواعدِ، فإنَّ معنى لفظِ التَّأويلِ في كتابِ اللَّهِ غيرُ لفظِ التَّأويلِ في اصطلاحِ كثيرٍ مِن أهلِ التَّفسيرِ والسَّلَفِ؛ لِأَنَّ مِن المعاني الَّتِي قد سُمِّيَ تأويلًا ما هو صحيحٌ منقولٌ عن السَّلَفِ، مما تقومُ الحُجَّةُ عن صِحَّتِه؛ إذْ ما قامتِ الحُجَّةُ على صِحَّتِه وهو منقولٌ عن السَّلَفِ فلَيْسَ فيه مِن التَّحريفِ. اهـ.
(( والتَّأويلُ تفعيلٌ مِن آلَ يَؤُولُ إلى كذا، إذا صارَ إليه ) ). قَالَ الجوهريُّ: التَّأويلُ تفسيرُ ما يَؤُولُ إليه الشَّيْءُ؟. ثم تُسَمَّى العاقِبةُ تأويلًا؛ لِأنَّ الأمْرَ يصيرُ إليها كقوله: {ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} وتُسَمَّى حقيقةُ الشَّيْءِ المُخْبَرِ به تأويلًا؛ لأنَّ الأمْرَ ينتهي إليه، ومنه قولُه: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} فمَجِيءُ تأويلِه نفْسُ ما أخبَرَتْ به الرُّسُلُ مِن اليومِ الآخِرِ والمَعادِ وتفاصيلِه، والجَنَّةِ والنَّارِ.
وأمَّا التَّأويلُ في اصطلاحِ أهلِ التَّفسيرِ والسَّلَفِ فمُرادُهم به معنى التَّفسيرِ والبيانِ، كقولِ مُحَمَّدِ بنِ جريرٍ الطبَريِّ: القولُ في تأويلِ قولِه تَعَالَى كذا وكذا. فهذا التَّأويلُ يَرْجِعُ إلى فَهْمِ المُؤْمِنِ، ويحصُلُ في الذِّهْنِ، والأوَّلُ يعودُ إلى وقوعِ حقيقتِهِ في الخارجِ. وأما المُعتزِلَةُ والجَهْمِيَّةُ وغيرُهم مِن المُتكلَّمِينَ فمُرادُهم بالتَّأويلِ صرْفُ اللَّفْظِ عن ظاهِرِه، وهذا هو الشَّائِعُ في عُرْفِ المتأخِّرينَ مِن أهلِ الأصولِ والفقهِ، ولهذا يقولون: التَّأويلُ على خِلافِ الأصلِ؛ والتَّأويلُ يَحتاجُ إلى دليلٍ، وهذا التَّأويلُ هو الَّذِي صُنِّفَ في تَسْوِيغِه وإبطالِه مِن الجانبَيْنِ.
قولُه: (( ومِن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيلٍ ) )
كيفيَّةُ الشَّيْءِ حالُه وكُنْهُهُ، أوِ السُّؤالُ عنه بصيغةِ كيْفَ، فالتَّكييفُ البحثُ عن كُنْهِ الصِّفَاتِ، والتَّمثيلُ أنْ يُقالَ فيها مِثْلُ صفاتِ المخلُوقِينَ.
(( وإنما نَفَى السَّلَفُ عن صفاتِ اللَّهِ التَّكييفَ؛ لأنَّ العِلْمَ بكيْفِيَّةِ الصِّفَةِ يَستلْزِمُ العِلْمَ بكيْفِيَّةِ المَوصوفِ ) ).
(( والمُكيِّفُونَ يُثْبِتونَ كيْفِيَّةً، يقولون: إنَّهم عَلِمُوا كيْفِيَّةَ ما أُخْبِرُوا به مِن صفاتِ الرَّبِّ، وكما نَفَى السَّلَفُ التَّحريفَ والتَّعطيلَ في مَقامِ النَّفْيِ والسَّلْبِ ) ).
كذلك رَفَضوا التَّكييفَ والتَّمثيلَ في مَقامِ الإيجابِ والثُّبوتِ، فلا إفْراطَ ولا تفريطَ، ولا غُلُوَّ ولا تقصيرَ.
والتَّعبيرُ بالتَّكييفِ والتَّمثيلِ، أوْلَى مِن التَّعبيرِ بالتَّشبيهِ.
قَالَ الشَّيْخُ في المُناظَرةِ: وقلتُ لهم أيضًا: ذَكَرْتُ في النَّفْيِ التَّمثيلَ ولم أذْكُرِ التَّشبيهَ؛ لأنَّ التَّمثيلَ نفاهُ اللَّهُ بنَصِّ كتابِه حيثُ قَالَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وقَالَ: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} وكان أحَبَّ إلَيَّ مِن لفظٍ لَيْسَ في كتابِ اللَّهِ ولا في سُنَّةِ رَسُولِه، وإنْ كان قد يُعْنَى بنفْيِه معنًى صحيحٌ، كما قد يُعْنَى به معنًى فاسدٌ. وقلتُ: قَوْلِي مِن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيلٍ بنفْيِ كُلِّ باطلٍ. وإنما اخترْتُ هذينِ الاسْمَيْنِ؛ لأنَّ التَّكييفَ مأثورٌ عن السَّلَفِ، كما قَالَ مالِكٌ وربيعةُ وابنُ عُيَيْنَةَ وغيرُهمُ المَقالةَ الَّتِي تلَقَّاها العلماءُ بالقَبولِ، الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤالُ عنه بدعةٌ فاتَّفَقَ هَؤُلاَءِ السَّلَفُ على أنَّ