فهرس الكتاب
التَّكييفَ غيرُ معلومٍ لنا فنفَيْتُ ذلك اتِّباعًا لسلَفِ الأُمَّةِ، وهو أيضًا منْفِيٌّ بالنصِّ، فإنَّ تأويلَ آياتِ الصِّفَاتِ يَدخُلُ فيها حقيقةُ الموصوفِ وحقيقةُ صفاتِه، وهذا مِن التَّأويلِ الَّذِي لا يعلَمُه إلَّا اللَّهُ، كما قد قَرَّرْتُ ذلك في قاعدةٍ مُفْرَدةٍ ذَكَرْتُها في التَّأويلِ والفَرْقِ بين عِلْمِنا بالكلامِ وعِلْمِنا بتأويلِه.
وكذلك التَّمثيلُ منفِيٌّ بالنَّصِّ والإجماعِ القديمِ مَعَ دَلالةِ العقلِ على نفْيِه وكذلك نفيُ التَّكييفِ.
إذْ كُنْهُ الباري غيرُ معلومٍ للبشرِ.
وذَكَرْتُ في ضِمْنِ ذلكَ كلامَ الخطَّابيِّ الَّذِي نَقَلَ أنَّه مَذهبُ السَّلَفِ، وهو إجراءُ آياتِ الصِّفَاتِ وأحادِيثِها على ظاهِرِها مَعَ نفْيِ الكيْفِيَّةِ والتَّشبيهِ عنها؛ إذِ الكلامُ في الصِّفَاتِ فرْعٌ على الكلامِ في الذَّاتِ اهـ.
قَالَ: والمقصودُ أنَّ أهلَ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ على أنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ لا في ذاتِه ولا في صِفاتِه ولا في أفعالِه، ولكنَّ لفظَ التَّشبيهِ في كلامِ النَّاسِ لفظٌ مُجْمَلٌ، فإنْ أرادَ بنَفْيِ التَّشبيهِ ما نَفاهُ القرآنُ ودلَّ عليه العقلُ فهذا حقٌّ، فإنَّ خصائِصَ الرَّبِّ لا يُوصفُ بها شيءٌ مِن المخلوقاتِ، ولا يُماثِلُه شيءٌ مِن المخلوقاتِ في شيءٍ مِن صفاتِه، ومَن جعلَ صفاتِ اللَّهِ مِثلَ صفاتِ المخلوقِ فهو المُشَبِّهُ المُبْطِلُ المَذْمومُ. وإنْ أرادَ بالتَّشبيهِ أنَّه لا يَثبُتُ لِلَّهِ شيءٌ مِن الصِّفَاتِ فلا يُقالُ: له عِلْمٌ ولا قُدْرةٌ ولا حياةٌ؛ لِأنَّ العبدَ موصوفٌ بهذه الصِّفَاتِ، وكذلك في كلامِه وسَمْعِه وبَصَرِه ورُؤيتِه وغيرِ ذلك، وهُم يُوافِقونَ أهلَ السُّنَّةِ على أنَّ اللَّهَ موجودٌ حيٌّ عليمٌ قديرٌ، ولا يُقالُ: هذا التَّشبيهُ يجِبُ نفْيُه، وهذا مما يدلُّ عليه الكِتابُ والسُّنَّةُ وصريحُ العقلِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُخالِفَ فيه عاقِلٌ. فإنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى نفْسَه بأسماءٍ، وسمَّى بعضَ عِبادِه بأسماءٍ، وكذلك سمَّى صفاتِه بأسماءٍ، وسمَّى بعضَ صفاتِ خَلْقِه، ولَيْسَ المُسَمَّى كالمُسَمَّى، فسَمَّى نفْسَه حيًّا، عليمًا، قديرًا، رءوفًا، حليمًا، عزيزًا، حكيمًا، سميعًا، بصيرًا، مَلِكًا، مؤمنًا، جبَّارًا، متكبِّرًا، وقد سمَّى بعضَ عِبادِه بذلك، فإنَّهما وإنِ اتَّفَقا في مُسَمَّى ما اتَّفَقا فيه فإنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُخْتَصٌّ بوُجودِه وعِلْمِه وقُدْرَتِه وسائِرِ صفاتِه، والعبدُ لا يُشْرِكُهُ في شيءٍ مِن ذلك، والعبدُ أيضًا مُخْتَصٌّ بوُجودِه وعِلْمِه وقُدْرَتِه، واللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن مُشارَكةِ العبدِ في خصائِصِه، وإنِ اتَّفَقا في مُسَمَّى الوجودِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ. فهذا المُشْتَرَكُ مُطْلَقٌ كُلِّيٌّ يُوجَدُ في الأذهانِ لا في الأعيانِ، والمَوجودُ في الأعيانِ مختَصٌّ الاشتِراكُ فيه، وهذا مَوضعٌ اضطربَ فيه كثيرٌ مِن النُّظَّارِ حَيْثُ توَهَّمُوا أنَّ الاتِّفاقَ في مسمَّى هذه الأشياءِ يُوجِبُ أن يكونَ الوجودُ الَّذِي للربِّ هو الوجودُ الَّذِي للعبدِ.
بَلْ يُؤمِنُونَ بأَنَّ اللهَ سبحانه وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} .
ففي قولِه سُبْحَانَهُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} . رَدٌّ على المُشَبِّهةِ المُمَثِّلةِ، وفي قولِه: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .رَدٌّ على المُعَطِّلةِ ... وما أحسنَ قولَ صاحِبِ الكافيةِ الشَّافيَةِ
لَسْنَا نُشَبِّهُ وَصْفَهُ بِصِفَاتِنَا إِنَّ المُشَبِّهَ عَابِدُ الأَوْثَانِ
كَلَّا وَلاَ نُخْلِيهِ مِنْ أَوْصَافِهِ إِنَّ الْمُعَطِّلَ عَابِدُ الْبُهْتَانِ
مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ الْعَظِيمَ بِخَلْقِهِ فَهْوَ النَّسِيبُ لِمُشْرِكٍ نَصْرَانِي
أَوْ عَطَّلَ الرَّحْمَنَ مِنْ أَوْصَافِهِ فَهْوَ الْكَفُورُ وَلَيْسَ ذَا إِيمَانِي