الصفحة 63 من 204

قوله: ولا يُلْحِدُونَ في أَسْماءِ اللهِ وآياتِهِ. قَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . وأصلُ الإلحادِ في اللُّغَةِ المَيْلُ. قَالَ ابنُ الأثيرِ في"النهايةِ": الإلحادُ: المَيْلُ والعُدولُ عن الحقِّ، والظُّلْمُ والعُدوانُ. واللَّحْدُ الشَّقُّ الَّذِي يُعْمَلُ في جانبِ القَبْرِ لمَوضعِ الميتِ؛ لأنَّهُ أمْيَلُ عَن القبرِ إلى جانبِه. اهـ، وقَالَ ابنُ القيِّمِ: والإلحادُ في أسمائِه هو العُدولُ بها وبحقائِقِهَا ومعانِيها عن الحقِّ الثَّابتِ لها، وهو مأخُوذٌ مِن المَيْلِ، كما يَدلُّ عليه مادَّةُ (ل ح د) فمنه اللَّحْدُ وهو الشَّقُّ في جانبِ القبرِ الَّذِي قد مَالَ عن الوسَطِ، ومنه المُلْحِدُ في الدِّينِ: المائِلُ عن الحقِّ، المُدْخِلُ فيه ما لَيْسَ منه. ومنه المُلْتَحِدُ وهو مُفْتَعِلٌ مِن ذلك، وقوله: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} أيْ: مَن تَعْدِلُ إليه، وتهرُبُ إليه، وتلتجِئُ إليه مِن غيرِه، تقولُ العربُ: الْتَحَدَ فلانٌ إلى فلانٍ، إذا عَدَلَ إليه.

إذا عُرِفَ هذا، فالإلحادُ في أسمائِه تَعَالَى أنواعٌ.

(أحدُها) : أنْ يُسَمَّى الأصنامُ بها، كتَسْمِيَتِهم باللاتِ مِن الإلهيَّةِ، والعُزَّى مِن العزيزِ، وتسميتِهمُ الصَّنمَ إلهًا، وهذا إلحادٌ حقيقةً، فإنَّهم عدَلُوا بأسمائِه إلى أوثانِهم وآلهَتِهمُ الباطلةِ.

(الثَّاني) : تسميتُه بما لا يَلِيقُ بجَلالِه، كتسْمِيَةِ النَّصارى له أبًا، وتسميةِ الفلاسفةِ له مُوجِبًا بذاتِه أو عِلَّةً فاعِلةً بالطَّبْعِ ونحوَ ذلك.

(وثَالثُها) : وصْفُه بما يَتَعالى عنه ويتقدَّسُ مِن النَّقائصِ كقَوْلِ أخبثِ اليهودِ: إنه فقيرٌ، وقولِهم: إنه اسْتَرَاحَ بعد أنْ خَلَقَ خَلْقَه، وقولِهم: يدُ اللَّهِ مغلولةٌ، وأمثالَ ذلك ممَّا هو إلحادٌ في أسمائِه وصفاتِه.

(ورابعُها) : تعطيلُ الأسماءِ عن معانِيها، وجَحْدِ حقائِقِها كقولِ مَن يقولُ مِن الجَهْمِيَّةِ وأتْباعِهم: إنها ألفاظٌ مجرَّدةٌ لا تتضمَّنُ صفاتٍ ولا معانِيَ، فيُطلِقُونَ عليه اسمَ السَّمِيعِ، والبصيرِ، والحيِّ، والرَّحيمِ، والمُتكلِّمِ، والمُريدِ، ويقولونَ: لا حياةَ له، ولا سَمْعَ، ولا بَصَرَ، ولا كلامَ، ولا إرادةَ تقومُ به. وهذا مِن أَعظمِ الإلحادِ فيها عقلًا وشرعًا ولغةً وفِطْرةً، وهو مُقابِلُ إلحادِ المُشركينَ، أولئك أعْطَوْا أسماءَه وصفاتَه آلِهتَهُم، وهَؤُلاَءِ سَلَبُوه صفاتَ كَمالِهِ وجَحَدُوها وعطَّلُوها، فكِلاهُما مُلْحِدٌ في أسمائِه.

ثم الجَهْمِيَّةُ وفُروخُهم مُتفاوِتُونَ في هذا الإلحادِ، فمنهمُ الغالي والمتوسطُ والمنكوبُ. وكُلُّ مَن جَحَدَ شيئًا مِن ما وصَفَ اللَّهُ به نفْسَه أو وصَفَه به رَسُولُه فقد ألْحَدَ في ذلك فلْيَسْتَقِلَّ أوْ لِيَسْتَكْثِرْ.

(وخامِسُها) : تشبيهُ صفاتِه بصفاتِ خلْقِه، تَعَالَى اللَّهُ عن ما يقولُ المشَبِّهونَ علوًّا كبيرًا.

فهذا الإلحادُ في مقابلَةِ إلحادِ المُعَطِّلةِ، فإنَّ أولئك نَفَوْا صِفةَ كمالِه وجَحَدُوها وهَؤُلاَءِ شبَّهُوها بصفاتِ خلْقِه، فجَمَعَهمُ الإلحادُ، وتفَرَّقَتْ بهم طُرُقُه، وبرَّأَ اللَّهُ أَتباعَ رَسُولِه وورَثَتِه القائمِينَ بسُنَّتِه عن ذلك كُلِّه فلم يَصِفُوه إلا بما وصَفَ به نفْسَه، ولم يَجْحَدوا صفاتَه، ولم يُشَبِّهوها بصفاتِ خلْقِه، ولم يَعْدِلوا بها عن ما أُنْزِلَتْ عليه لفظًا ولا معنًى. بلْ أثْبَتوا له الأسماءَ والصِّفَاتَ، ونَفَوْا عنه مشابَهةَ المخلوقاتِ، فكان إثباتُهم بَرِيًّا مِن التَّشبيهِ، وتنزيهُهُم خَلِيًّا مِن التَّعطيلِ، ولا كمن شَبَّهَ حَتَّى كأنَّه يَعبدُ صنمًا، أو عطَّلَ حَتَّى كأنَّه لا يَعبدُ إلا عدمًا.

وأهلُ السُّنَّةِ وسَطٌ في النِّحَلِ كما أنَّ أهلَ الإسلامِ وسَطٌ في المِلَلِ. اهـ. ولا يُكَيِّفُونَ ولا يُمَثِّلُونَ صِفاتَهِ بصِفاتِ خلْقِهِ.

كما قَالَ الإمامُ مالِكٌ وربيعةُ وغيرُهما مِن السَّلَفِ: الاستواءُ معلومٌ، والكيْفُ مجهولٌ، وهكذا يُقالُ في سائرِ الصِّفَاتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت